10
الجمعة, نيسان
0 مواد جديدة

القرويين
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

أين كانت القرويين وأين كان رجالاتها يوم أن صلى إبليس على مذهب مالك ثم ركب الغمام وارتحل؟

التنشئة والتعليب الاستعماريَين

القرويينإذا كان عبد الكريم الخطابي الريفي أوعلال الفاسي أو المولى عبد الحفيظ أو تقي الدين الهلالي الفيلالي أو المختار السوسي..الخ. تخرجوا كلهم من القرويين وأشربوا مناهجها ولم يمنعهم ذلك، كل حسب اجتهاده، من التفاعل أوالتواصل مع عصره إما قصوراً أو وصلاً بما استجد فإننا فيما يخص ابن بركة سنتعامل مع إحدى ثمرات المؤسسة الاستعمارية ذاتها ُمشخصّة ومُشخصنة ومعلبة في إحدى تجلياتها الأثيرية والهلامية المتعددة التمظهر والتقمص، على عادة ما يقوم به الفيروس الثقافي، الحامل للبرنامج الاستعماري الصليبي في كل شموليته كبذرة قابلة للغرس والانتشار من خلال ما برمج له، حتى وهي تظن أنها في منأى أو معزل عن تمثيل مثل هذا الدور أو لعب مثل تلك اللعبة القذرة!، إلا أن للتنشئة منطقها الطابع الغالب على كل تطَبُّع،كما حلل ذلك ابن خلدون في أجداد هؤلاء ومنذ القرن الثامن الهجري بمقولته المأثورة:

في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده!

عمر بن عبد الجليل
عمر بن عبد الجليل
وسنجد مصداق هذا التحليل يسري على هذه النماذج بميكانيكية ملفتة!. ولذلك لن يفلت من قبضتها كبير شأن في هذا الجيل الممحو الذاكرة! الإسلامية في العمق!.

من تلك الثمار المبكرة، أفواج أمّت مدن باريز ومونبليي وبوردو وغيرها من المدن الفرنسية منذ سنة 1924 ، كخريجي ثانوية المولى إدريس المُخصَّصة لأبناء الأعيان!!؟؟، تحت العين الساهرة والماكرة للمقدم ( الكمندار) الاستخبراتي والمستشرق! والمُنَصِّر في آن: بول مارتي كمدير لها. أمثال: عمر بن عبد الجليل أول مهندس فلاحي تخرج من جامعة مونبليي هو والتّهامي المَقْري، وأخيه محمد بن عبد الجليل، الذي تنصَّر على يد مدير مدرسته وتلقب بالأب يوحنا! (Jean) واشتغل في سكريتارية البابا، وعبد القادر بن جلون، وعبد الملك فرج، أول خريج في الطب، ومحمد بن الحسن الوزّاني خريج العلوم السياسية من باريز، ومحمد الفاسي أو أمثال: أحمد بلافريج، حسن الوزاني، أحمد بوهلال أحمد زروق خريجي ثانوية الجنرال غورو،( راكل قبر صلاح الدين الأيوبي،( قاهر الصليبيين)، يوم دخوله دمشق مع عربان الشرق سنة 1920 م مستنفراً ذاكرته الصليبية التي لا تبلى بقوله: لقد عدنا يا صلاح الدين!،) المخصصة للفرنسيين.

ولم تحل سنة 1937 م حتى كانت مدارس الأعيان هذه التي عنت بأبناء الإقطاعيين والتجار الكبار فقط، قد فرّخت:

52 طالباً حاصلاً على الثانوية العامة (البكالوريا)،

أحمد بلافريج
أحمد بلافريج

1 مجازاً في القانون،

1 طبيباً

2 من المحامين

3 من الموظفين الإداريين

3 أساتذة.

هؤلاء الطلبة، الغير محصنين عقائدياً، على ضآلة عددهم إلى هذا التاريخ!، كونوا النواة الصلبة للبذرة الاستعمارية الفيرسية الماسخة للهوية التاريخية التي ترسخت في البلد على مدى اثني عشر قرناً، وأسسوا لهم جمعيات منتسبين مثل: "جمعية قدماء تلاميذ ثانوية المولى إدريس" بمدينة فاس أو " جمعية قدماء تلاميذ ثانوية المولى يوسف" بالرباط..الخ.. خريجو هذه الثانويات تميزوا بالحذق في المواد الفرنسية وبشبه أمية مطلقة في المواد العربية والتربية الإسلامية، اللتان تمثلان الترياق الناجع ضد أية أدلجة!.

الجنرال غورو راكل قبر صلاح الدين الأيوبي
الجنرال غورو راكل قبر صلاح الدين الأيوبي
ففي جولة تفقدية قام بها محمد بن الحسن الحجوي كممثل لوزارة المعارف صحبة الجنرال بيتان في 22 نوفمبر( تشرين ثان ) 1929 م لمدرسة الأعيان بفاس لاحظ ما يلي:

تلاميذها 286 ..فيهم من ناف عن سنتين ولا يعرفون الكتابة العربية! وهم ماهرون في معرفة الكتابة الفرنسوية!؟.

أما المدرسة الثانوية الإدريسية فقد زارها سنة 1939 م وعلق عليها بقوله:

بها 150 تلميذ وتعليمها منتج!.. بها قسمان: واحد للدبلوم العربي ~ الفرنسي وقسم للبكالوريا. ولكن القسم الأول في الاضمحلال، إذ ليس فيه من هذا النوع سوى 15، فهم العشر فقط وهذا فيه
خطر عظيم على العربية والدين!؟..
الذين يُحضِّرون البكالوريا لهم دروس عربية ضئيلة! وليس لهم دروس في الدين!. وجمعية قدماء التلاميذ يطلبون إسقاط الدبلوم كلية!؟.
وفي نظري أن يعاد النظر في دروس البكالوريا فيزاد فيها دروس العربية والفقه ترد بها الثقافة العربية.

هنا تظهر بجلاء آثار التنشئة، الغير مُحصنة بأية معرفة دينية، التي ستعمل مع مرور الزمن على مسخ أجيال بكاملها وهي في غفلة عن هذا!، تظن أنها تحسن صنعاً!. هذه البصمة الفيروسية التي تسربت إلى عقول هذه الشلّة من المغاربة الشباب، ستنتقل إلى غيرهم بواسطتهم، إمّا بالتلقين أو المُحاكاة، عندما سيحتلون مناصب المسؤولية في الإدارة والتعليم وغيرهما ليعملوا بغباء نمطي وميكانيكية بليدة إلى درجة الغِثيان!، على تعطيل ذاكرة الأمة وليتحولوا إلى مسوخ،وغيلان ثقافية لا تبقي ولا تذر!.1.

وفي سنة الاستقلال، أي سنة 1956 كان عدد من تخرج من الجامعات الفرنسية:

8 مهندسين

11 طبيباً

67 محامياً

قلت: هذا عدد هزيل ولا شك!، وبكل المقاييس، إلا أنهم وعلى قلتهم سيتمكنون لاحقاً، من ابتلاع المغرب كله دفعة واحدة!، دون أن يحصل لهم مغص أو سوء هضم، من كثرة ما كانوا مدربين فطرياً ومعدين لذلك، إعداداً وراثياً ملفتاً! في بيوتاتهم الأصلية كأبناء أعيان!، ثم من خلال هذه الوصلة التنشيئية، على غرار ما كانوا يسمعون من أقوال الحكواتية الشعبية الجوالين في تلك الحقبة التاريخية في حلقات "جامع الفنا" بمراكش أو" سوق الغزل" بالرباط أو "ساحة بوجلود" بفاس أو " باب الخميس" بسلا:

أن بعوضة استطاعت شرب كل مياه الأوقيانوس! إلى أن جف! على حيتانه وسمكه التي أصابها الفناء والدمار!.

الهامش:

1 هذا الواقع المزري والمبرمج لهذه المدارس لن يتغير كثيراً، إذ حتى سنة 1956 م سنة استقلال!!؟؟ البلد، والمؤلف طالب بإحدى المدارس الاستعمارية هذه وبآخر قسم بالابتدائي وعلى أعتاب الانتقال إلى الثانوي،وقد جاوزت أخطاءه في شكل نص عربي يتيم لا يتعدى الصفحة الواحدة من كراريس الدرس المعهودة، الخمسين غلطة أو تزيد! يقرأ في الهامش بالخط الأحمر تنويه معلم العربية تشجيعاً لا تهكماً!: تقدم محسوس!؟! ثابر على المُطالعة!. لأن العربية بكل بساطة لم تكن تتعدى حصصها ساعة في اليوم ولا تدخل في التنقيط ولا في النجاح أو الرسوب إهمالاً لها وحطاً من قيمة من يدرسونها!. فكان يتكرس في نفوسنا البريئة، ودون أن ندري، شعور ظاهر وغير مضمر لنظرة دونية اتجاهها تحفزنا على الجد والكد لتعويض كل ذلك برطانة أكثر بلغة الغال!.

وكان ذلك هو ما قصده المُعمِّر بالأساس وحشوا به رؤوسنا الصغيرة كقردة مخبر على مشرحة المعلمين الفرنكنشطاينيين!.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق