10
الجمعة, نيسان
0 مواد جديدة

القرويين
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

أين كانت القرويين وأين كان رجالاتها يوم أن صلى إبليس على مذهب مالك ثم ركب الغمام وارتحل؟

الأباتي جان بن عبد الجليل المرتد!

ثانوية المولى إدريس بفاس
ثانوية المولى إدريس بفاس
عملت المؤسسة الاستعمارية من خلال موظفيها الكبار على تنصير المغاربة بكل السبل الممكنة، : وجدت في ذلك كل الجد! وكأنهم يقدمون بذلك خدمة للرب!.

وهكذا سنجد الضابط الفرنسي القائد (Commandant) بول مارتي (1882 ~ 1938 م) (Paul Marty) مدير ثانوية المولى إدريس بفاس، (المنشأة خصيصاً لاجتثاث المغاربة من دينهم حتى وإن تخفت تحت ستار التربية والتعليم!) والملحق في نفس الوقت بإدارة الاستخبارات الفرنسية يعمل على اقتناص بعض الضحايا من الأوساط الفاسية المُترفة التي لها قابلية فطرية للطيران مع كل طائر تكريساً لمصالحها الذاتية على عادة المترفين في كل مكان وزمان!. فحصل على ضحية نموذجية من حيث الوسط والنشأة والتنشئة1.

الضحية نفسه كان نموذجياً كضحية!. فهو كان ممن ألحقه والده بالمدرسة الفرنسية في درب الهكار، حتى قبل فرض الحماية الفرنسية على المغرب!، مما يعني تهافت وتهالك مسبق وقبلي لدى والده! مع قلة تدين أو لنقل أمية في الدين!. ثم تابع دراسته الثانوية بثانوية المولى إدريس بطاقمها من المبشرين الفرنسيين المدربين ومديرها الاستخباراتي!. هذا كله مع قلة عصمة وقلة قشرة من دين جعل منه قنصاً سهلاً، لم يكن من الصعب إغراء مثله وإيقاعه في شباك حبائله . فأغواه القبطان مارتي واستهواه! وربط الصلة بينه وبين الإرساليات الكنسية الكاثوليكية حتى أسكنوه معهم في كنيسة لهم بمدينة الرباط ليتم غسل مُخِّه بنجاعة تامّة ثم ليجعلوا منه نموذجاً لبالقي المترفين من أبناء الأعيان الإقطاعيين أو التجار المتهالكين ليتخذوه قدوة لهم!.

البابوية ذاتها التي لم تكن غائبة عن ساحة المغرب، سوف تدخل على الخط، لاحتضانه وتبنيه وليتسمّى لاحقاً بالأباتي يوحنا!!؟؟( Jean)، وهي التي كان قد أخرجها النقد التاريخي الحزمي ( نسبة إلى الإمام محمد ابن حزم الأندلسي: أنظر كتابنا: المدرسة الأوروبية الحزمية في النقدية التاريخية للكتب المقدسة: رسالة في التسامح) من حياة الأوروبيين جملة وتفصيلاً مع نهاية القرن التاسع عشر، لتجرب حظها البئيس مع باقي أميي العالم الفقير المتخلف!. فألحقه البابا بسكريتاريته زيادة في الإنعام!.

بل الغريب في هذه الصليبية الفجة، هي أنها ظلت تصاحب الحكم الفرنسي الرسمي إلى قرب أفول نجم الاستعمار الفرنسي من المغرب!. ففي 18 أغسطس (آب) 1953 م عاد من فرنسا صديقان لمحمد الخامس من الفرنسيين الأحرار: بيير كلوسترمان (Pierre Clausterman ) و جاك ريتزر ((Jacques Ritzer كانا قد حملا رسالة من الملك إلى رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الحكومة بخصوص تعهدات الحكومة الفرنسية في بنود حمايتها، لتقوم بلجم تصرفات وتجاوزات مقيمها العامين الذين يتمادون في انتهاكها حسب أهوائهم. عاد الصديقان بعد أن أبلغا أعضاء الحكومة الفرنسية فكان انطباعهما حسب قولهم:

أن جميع الذين التقيناهم في باريز متفقون معنا، ولكنا شعرنا، أن حظوظ نجاحنا في تفادي النكبة( أي إبعاد محمد الخامس الملك الشرعي من البلاد!، المفروض أنهم جاءوا ليحموه وليحموا بلده، حسب بنود وثيقة الحماية!)، تكاد تكون معدومة!.

جورج بيدو
جورج بيدو
لقد قال لنا جورج بيدو(1889 ~ 1983 م) 2 وزير الخارجية:

إنها حرب بين الهلال والصليب، فدعوني أحلم ببيت المقدس!

لكن كيف أمكن تنصير مسلم حتى ولو كان أميّاً أمية مطبقة وهو ململم بمبادئ التوحيد؟.

الحقيقة عن إسلام المغاربة يومها ووعيهم الديني يوضحها لنا بجلاء وتحليل وبُعد نظر شاهد القرن والشاهد العِيّان الفقيه محمد بن الحسن الحجوي. يقول الحجوي:

والحال أنهم ( المغاربة):

لا دين لهم على الحقيقة!؟ وهم اظلم الظالمين!!؟،
أما وأنهم لا دين لهم فأمر ظاهر!.
1) أما البدو فلا صلاة ولا زكاة ولا نِكاح شرعي ولا وقوف عند حد من حدود الشرع، وأعظم مصيبة في الدّنيا وهي قتل النفس! أسهل عندهم من شربة ماء!!؟؟
2) والحواضر إن كان فيهم تظاهر بالتدين كالصلاة والصوم وترك مثل القتل، لعجز! أو جبن!، لكن هناك جور القضاة والمُداهنة في أحكام العُمّال والمُجاهرة بالرشوة والربا والسحت، وبشهادة الزور والكذب ونبش المقابر( لأغراض السِّحر). فلم ينج ولا أموتهم. ومع تعاطي الربا الكبير والصغير يعيبون على المخزن ( الحكم الغربي السلطاني) فتح البنك..
الباشا التهامي الكلاوي
الباشا التهامي الكلاوي
3) أما وأنهم أظلم الظالمين فها أنت ترى هؤلاء البربر قاموا بدعوى التذمر من ظلم الكلاوي ( عامل مدينة مُراكش الممالئ للاستعمار الفرنسي) وإخوته، ومع ذلك دخلوا (مدينة) مكناس بعد أن تحالفوا على الأمان مع أهلها!، لكن سلبوا ونهبوا ما قدِروا عليه وقطعوا سبل فاس وألَحُّوا في الحصار عليها ونهب الموانئ وحصد الزرع. وهذا أظلم الظلم! مع كونهم يقبضون الزطاطة( وسطاء تجاريون يعملون بين القبائل المتحاربة لتمرير بضائع التجار بينهم بأمان!) من بعض القوافل ويتركونها تدخل فاساً مع كونها تحت الحصار!..
فهذه الأفعال مما يدفعني إلى الحيرة والشك في إيمان القوم!!؟؟

وصدق الحجوي رحمه الله، إذ ما هؤلاء بمؤمنين، بل أكثرهم بغاة وجهلة وقطاع طرق!.

بل ذهب إلى التشكيك في دعوى أهل الحل والعقد المغاربة للجهاد بقوله:

دعوة أهل الحل والعقد إلى الجهاد أصبح مشكوكاً فيها نظراً لما وصل إليه المغاربة من الانحطاط في حياتهم الدينية حتى أن سكان مدينة فاس وهم أفقه الناس! علقت بأفكارهم أوهام جملتها أن أضرحة صلحاء!!؟؟ فاس تقوم مقام القوة الجهادية!!؟؟، بل أعظم!!؟؟. ولم يحصل في المدينة وهي تُحتل من طرف الفرنسيين أدنى قلق!!؟؟ وحصل للدائرة المخزنية ظهير لا مزيد عليه!!؟؟.

بل وصل الأمر إلى ما هو أدهى وأمر حيث يقول عن السلطان الجديد المولى عبد الحفيظ الذي حارب أخاه المولى عبد العزيز بدعوى الجهاد وأزاحه ليستولي على مقاليد الحكم بدله:

لما بويع عبد الحفيظ بمراكش! واحتل بهيئته بمشرع الشعير.. واصلت فرنسا احتلالها للشاوية حيث استولت على قصبة مديونة وقصبة ابن راشد، وقصبة مزاب، وقصبة سطات والشاوية كلها..
هذا كله ومولي عبد الحفيظ بمشرع الشعير يُشيع! أنه يُجاهد! ويجمعون له الإعانة بفاس ويقولون إنه انتصر!!؟. فلما كَمُلت الشاوية بالاحتلال وخاف انقطاع الطريق بينه وبين فاس نصح له صهره موحى وحمو( الذي سيحارب الفرنسيين لاحقاً بضراوة منقطعة النظير في جبال الأطلس) الزياني أن يتوجه عن طريق بلاده إلى فاس فنهض ليلاً!!؟؟.

المولى عبد الحفيظ
المولى عبد الحفيظ
قلت: لكنا نجد المولى عبد الحفيظ يشرح موقفه بوضوح لا مزيد عليه عن واقع المغاربة المتفكك والمتصدع والمتخاذل على كل الجبهات فهو عبر عن ذلك شعراً:

أأمر بالقتال وجل قومــي يرى أن الحماية فرض عين
أأمر بالجهاد ومال قومي تلاشى في لذائذ خصلتـيـــن
فإسراف النكاح وشر أكل فلا ترجى الكنوز لغير ذين

ربما قد يتبادر من نص الحجوي نوع تحامل منه على عبد الحفيظ لأنه كان ينتصر لأخيه المولى عبد العزيز ضداً على أخيه وغريمه عبد الحفيظ، إلا أن شهادة أخرى لفرنسي هذه المرة تصيب الرأس بالدوار!، لو صحت! عن هذا الجيل التعس والنكد من مغاربة مطلع القرن العشرين. الشهادة هي للكونت دو سانت أولير (Comte de Saint - Aulaire) المكلف من طرف الجنرال ليوطي بصحبة المولى عبد الحفيظ في سفره إلى منفاه الأخير في فرنسا بعد تنازله عن العرش المغربي، والذي نشره في مجلة " كتابات باريز" (Ecrits de Paris) عدد أغسطس سنة 1953 تحت عنوان: " المولى عبد الحفيظ مخلُوعاً من طرف ليوطي" جاء فيه:

بعد أربعين سنة لم أنس تلك الواقعة: في مُرفِئة ( قارب كبير يستعمل عادة لنقل المُسافرين من السفن إلى المرفأ أو العكس)، بعد اجتياز الموج العالي العاتي في هذا اليوم أخرج السلطان المولى عبد الحفيظ من شكّارته ذات الجلد الأحمر، ما بين موجين هائلين وغثيانين (كان بمثابة عِماده في البحر!) الظهير الموعود ( لتنازله) وقدمه للجنرال ليوطي الذي،سلمه بالمُقابل شيكاً بقيمة مليون فرنك فرنسي من أجل مُتَعِه! الباريزية.

قدور بن غبريط
قدور بن غبريط
دقائق بعد ذلك دنت مرفئتنا بمجدفيها العشرين والتي لم تحمل على متنها من المسافرين سوى جلالته ( عبد الحفيظ)، الجنرال ليوطي، قدور بن غبريط ( جاسوس من أصل جزائري مشهور سيتولى إدارة مسجد باريز لاحقاً ويدفن بداخله تتويجاً للخدمات التي قدمها لفرنسا الاستعمارية)، الذي كنت ألتقي به دائماً! في الأوقات العصيبة!!؟، من سلم طَرّادتنا "دو شَيْلى" (Du Chayla) المُعيّنة لنقله إلى مدينة مارسيليا.

قائدها ( الطرادة)، ذئب بحر شائخ، لم يعهد التعامل مع البلاطات ومن ضمنها البلاط الشريفي، سألني وهو يشير بأصبعه إلى المولى عبد الحفيظ المُسترخي كخرقة ( أو مِزَفّة) فوق فراش: "

- هل أُلقي به إلى الماء أم أسقيه (خمرة) الشمبانيا؟"

- أسقه الشمبانيا!؟

الطرادة دو شايلى
الطرادة دو شايلى
بعدها، لم أسمع سوى قليل بالمولى عبد الحفيظ. لم أعرف أين ولا كيف عاش ليموت صغير السن، وقد أنهكه الكحول !وبعض الملذات الأخرى!!؟؟…

قلت: المولى عبد الحفيظ خريج القرويين! وحافظ لكتاب الله! وململم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! وسليل العترة!. بل لم تخرج الأسرة العلوية في العلم مثله!

أو تكون هذه حاله؟ وهذه نهايته؟! ومآله!؟.

الباشا ادريس منو الذي تربى مع المولى عبد الحفيظ وعاش معه كل أحواله ويعتبر حافظ سره، ينفي في حديث له مع الفقيه المؤرخ محمد المختار السوسي مثل هذه التهم في حق المولى عبد الحفيظ.3 من طرف خصومه. فإن قلنا بأن ادريس منو متعاطف وسانت أولير ليس بالحيادي ويمكن أن يلفق القصة، فيبقى أن التثبت هنا يحتاج إلى طرف ثالث محايد لا وجود له مع الأسف!.

المختار السوسي رحمه الله
المختار السوسي رحمه الله
ولذلك توجب حمل دعاوى الاستعماريين الفرنسيين على ما يجب أن تحمل عليه، وهي الحط من سمعة المولى عبد الحفيظ بكل سبيل ممكن وبكل تلفيق مختلق بعد أن لم يسايرهم في كل مآربهم وكاد أن يفشل خطتهم بتخليه عن عرش اعتبر نفسه أنه فوق تحمل تبعات إذلاله.

فإن كان للعترة عثرات كسائر الناس، فهذه لو صحت!، لكانت مع الأسف من شرها على الإطلاق!.

وإن بالغ الحجوي رحمه الله في حكمه على هذا الجيل كله،أسافله وعِلّيته عندما نعته بأنه لا دين له!. فالأمور عندما تصل إلى هذا الحد من السقوط والترهل والإسفاف فلا بد لدورة الحياة من أن تنقلب رأساً على عقب وتجدد نفسها، بذهاب هذا الجيل وخروج جيل آخر من ضِئضِئه لا يشبهه في شيء!.

الاستعمار هنا كان مطلباً حضارياً تتطلبه سنن الكون ذاته، هؤلاء على تعاسة ما يعتنقون، هم بمثابة عباد الله أولي البأس الشديد الذين كانت تتطلبها ظروف المغاربة آنذاك، حتى وإن كادوا أن يذهبوا بالبقية الباقية من ذاكرة المغاربة لولا لطف الله بهم. وهذا ما شاهده الحجوي وعاينه ووصفه بقوله:

زمرة من الشباب ممن كانوا كلهم أو جلهم قرءوا في مدارس فرنسية ولعبت بعقولهم تعاليم الفلسفة فأفسدت نظرهم في التدين وتركوا الصلاة والصوم وتجاهروا بالإلحاد وكان أباؤهم وأقاربهم بل والمغرب والشرق كله في حيرة من أمرهم!!..

لكن الحق نجّى الدين من التلف.. فقامت قيامة الشباب المغربي.. وأصبح متديناً يُطيل اللحى بعد حلقها، ويجعل العِمامة بعدما كان يستهزئ بها.. وأصبح شباباً متطرفاً في الدين إلى أقصى حد، أكثر من آبائه الذين قد أظهروا الاعتدال أمام تيار المدنية!.

قلت: هذا كُلّه مما يجب على داعية القرن الحادي والعشرين التمعن والتدبُّر فيه ثم تمثله وتحليله اجتماعياً وسياسياً وعقائدياً وحضارياً كداء ومرض يصيب الشعوب والأمم عندما تقارب الأفول وتخرج من ميدان الفعل الحضاري إلى مقبرة التّكلُّس والتّحَجُّر التّفَكُّري.

الدّاعية المسلم من هذا العالم مشاركاً فيه مشاركة فعل، وليس خارجه!.

وكل دعوى إقصاء،من أي جهة صدرت وتحت أية ذريعة أو غطاء للمسلم إما سياسياً أو حضارياً أو اجتماعياً لهي بمثابة إعلان حرب ودعوى طواغيت تفضح شوفينية وفاشية أصحابها ويتوجب على الداعية محاربتها بكل الطرق والسبل، لأنهم بإقصاء المسلم فضحوا قناعهم الإيديولوجي الإجرامي في حق الإنسانية والإسلام معاً.

المسلم لا يُحكم سوى برضاه وبمشاركته!

الهامش:

1 أنظر أساليبهم في كتابنا: " كيف تمت هندسة فيروس اسمه أدونيس" وهو مطبوع.

2 يميني متطرف ترأس المجلس الوطني للمقاومة! الفرنسية سنة 1943 م وظل عضواً في حكومات فرنسا المتعاقبة من سنة 1944 إلى 1954 . وهو مؤسس حزب الحركة الشعبية! الجهوي (Mouvement Régional Populaire) المعروف بحروفه المختصرة (M.R.P) الذي سيفرخ الحزب الديمقراطي! المسيحي! وبلغ من تطرف هذا التعس أن انضم إلى الجيش السري الفرنسي الذي حارب الجيش النظامي حين قرر دوغول الدخول في مفاوضات مع الجزائريين لنيل استقلالهم!.

فهذا النكد الذي يعتز بمقاومة الاحتلال الألماني لبلده، ينكر ذلك على المغاربيين بالنسبة لتسلط بلده على مقدرات بلدانهم! والطامّة أنه يدعي أن صليبيته الكاثوليكية!: ديمقراطية!.

3 أنظر تفصيل ذلك في كتابه: " حول مائدة الغذاء".

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق