10
الجمعة, نيسان
0 مواد جديدة

المهدي اللاَمنتظر
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

 الأسراريات الشرقية

 بعض هذه الخلفية الأسرارية محلي متراكم لقرون وبعضها الآخر يدخل المنطقة مع الفاتحين ويتخلف من ورائهم بعد ذهابهم وأفول نجمهم كبقايا وآثار شاردة تخلط من جديد مع هذا الركام مكونة للموروث الجديد الذي سيُدَّور بدوره كثقافة ودين وخلفية تراثية للأجيال اللاحقة. المادة الخام لهذا العجين التلفيقي وجدت في:

الإسراريات البابلية والمصرية والأورفية الإغريقية، والثَّنَوية الزرادشتية والمانوية الفارسيتين، والنصرانية الهرطوقية، واليهودية التلمودية، والفلسفة الإغريقية في وجهها الأفلوطيني المبتذل، والحلولية الهندية بتناسخ الأرواح المستمر، والسحر المصري، والتنجيم البابلي، والخلاصيات النهائية المختلفة لدى كل من: الزرادشتيين والمسيحانيين (يهود أو نصارى ) والسوتريين (المُخلِّصين ) الوثنيين، التي تبشر أتباعها  بقدوم "مخلصين"، عند" أواخر الأيام"، عندما يستفحل الشر، ويتمنى الحي أن يكون مكان الميت، ليأت "المخلص"، الذي سيجتث الشر كله من جذوره، لتسود المحبة والرخاء ويعم السلام والسعادة الأبديين هذا العالم، بعد سؤدد الظلم!!؟؟. وهو أساس ما سوف تدعيه الإحدى عشرية الموسوية لاحقاً في أسطورتها الثانية عشرة!!؟؟

فالأسطورة السياسية في قولبتها لذهنيات المجتمعات الشرقية وتشكيلها لأفق تطلعاتهم وبلورتها لروح وجدانهم وتصوراتهم ومخيالهم ورؤياهم غدت صيرورة تحكمية طابعة، لا تختلف في شيء عما تفعله بعض الطفيليات بعائليها. بل هي أشبه من عدة وجوه بدورة حياة الدودة الشِّصِّية التي تستعمر معي الإنسان لأغراضها الأنانية الصرفة كمحطة من محطات صيرورة حياتها العجائبية. إذ كلاهما تفتقران دوماَ إلى شرطي الوجود والديمومة معاَ. كما أنهما لا تحققان الوجود سوى بتوفر حامل ينقل الأسطورة أو الدودة، ثم عائل يوفر قابلية الاحتضان والثواء ( وهو الإنسان في كليهما )، ثم الظرف الملائم. شروط تعجيزية لولا أن واقع الحال والتاريخ يثبتان عكس ذلك تماماً!.

أول ما يذهل له المرء في هذه الصيرورة، هو أن الدودة الشصية وجدت دائما طريقها المعوج والملتوي والمحفوف بالمخاطر إلى معي الإنسان، بعد أن تخترق جلده نافذة إلى قلبه، ثم منه إلى رئتيه قبل أن تستقر في أمعائه متغذية على دمه لتتزاوج وتتوالد وتبيض، ولينزل البيض مع فضلاته إلى التربة، لتتحول إلى يرقة تبحث لها عن ضحية جديدة كحامل وعائل، لإعادة إنتاج دورة أخرى لنوعها بتقمصاته وتحولاته المختلفة. فحياتها حيوات مبرمجة، محفوظة في الذاكرة، لا تحول عنها ولا تزيغ، وليست حياة واحدة!. بل هي لكي تحيا، لزمها أن تنجح في كل طور وفي كل تقمص وإلا توقف النوع أو بالأحرى الأنواع. ولآلاف السنين كتب للدودة البقاء رغم مخاطر وتعثرات الطريق. وكأن سبقها للإنسان في سلم الوجود زودها بسابق خبرة وحنكة زائدة، في إدارة قوانين اللعبة الوجودية ضداَ في الحامل العائل وجهاز مناعته.!

كيف استطاعت، حسم حربها هذه مع جهاز المناعة، ومنذ البداية، وبنجاح باهر!، باستنباط طرائق بارعة وذكية، تعيق كل بطاريات وسائله الدفاعية وتمنعه تماماَ من أية ردة فعل أو مبادرة، لهو لغز بحد ذاته، لولا المفتاح القرآني المعجز من سورة الأعلى: الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى؟. ولو شبهت كل دورة من دورات حياتها بعملية يانصيب أو ضربة نرد، لظهر وكأن الحظ كان حليفها في كل مرة. وهاهي إلى اليوم، وعلى أعتاب القرن الحادي والعشرين، ورغم تقدم العلم ووقوفنا على تفاصيل الصيرورة، لا زال الآلاف من البشر موزعين على القارات الخمس، ينزفون ويؤدون ضريبة الموت، يساقون إلى حتفهم وقدرهم، كنصيب مفروض لهذه الدودة المهينة التي لا زالت تتحكم بكل قواعد اللعبة، رغم لحاق العلم المتأخر بها وبطرائقها.

وصيرورة الأسطورة السياسية الشرقية، لا تقل عن صيرورة الدودة الشصية غرابة أطوار ولا تقمص أدوار ولا حيوات. فهي أيضاَ وجدت دائماَ طريقها الملتوي المعوج إلى معتقدات البشر وعشعشت بداخل عقولهم، تكيفهم كيف تشاء. 

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق