10
الجمعة, نيسان
0 مواد جديدة

المهدي اللاَمنتظر
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

أساطير الشرق

لعبت الأسطورة في تشكيل الذهنية الدينية والسياسية للحضارات التي تعاقبت في السيطرة على منطقة الهلال الخصيب : العراق، سوريا، فلسطين ومصر، دور القالب المؤطر والرمز المصوغ وعين الرؤية إلى الذات والوجود وإلى العالم. وباكتشاف المكتبات الكبرى لهذه الممالك والإمبراطوريات الغابرة، التي ظلت دفينة الرمال والنسيان لعشرات القرون قبل أن تعريها الحفريات أخيراَ في القرن التاسع عشر والعشرين، بدا واضحاَ، بعد أن استطاع العلماء فك شفرات لغاتها المختلفة، أن الأسطورة السياسية والدينية الشرقية تميزت بنيويا بثابتين:

* الثابت الأول: تجسد في استقرار الأنماط،

* والثابت الثاني في إعادة تدوير الإنتاج بالتهجين الملَفِّق.

فثبوت الأنماط كاستمرارية، تمثلت في تكريس نموذج "الحاكم المطلق"، الذي يتقمص دوره إما في صورة "إله" أو صورة مبتذلة لـ"ملك" يحكم باسم الإله أو الآلهة.

أما إعادة تدوير الإنتاج فتمثلت في التوظيفات الرمزية التي تكاد تكون ثابتة هي الأخرى في مضامينها الإيحائية أو أشكال الصياغة والتسويف، مع الاستيعاب المستمر لكل الرموز الطارئة، التي تتولد إما بتحول الرموز السابقة لأداء أدوار لاحقة أو بالتهجين الملفق للرمز المحلي مع الرمز الطارئ الوارد الناتج عن المخالطة الخارجية، على شكل مثاقفة مفروضة أو مرغوباً فيها، والتي يعاد تدويرها بإعادة الحبك لتراكم في الذاكرة الجماعية كفلكلور وتراث وموروث، حسب ظرف المكان والزمان وجنسية الحاكم.

فالأسطورة السياسية الشرقية تمحورت بالأساس حول تسويغ هذا النوع من الحكم الذي يحتل فيه الحاكم "الإله!"أو من ينوب عنه قمة هرم السلطة، في حكومة إلهية كونية تحكم البشر إما مباشرة، أو كمندوبين أرضيين لمثل هذه الحكومة الإلهية وبالنيابة عنها.

ثم تأتي بعد ذلك مباشرة في هذه التراتبية طبقة الكهان، إذ هي الواسطة بين الإله أو الملك وطبقة الشعب التي توجد في أسفل الهرم.

والأخيرة باعتبارها قاعدة الهرم ودرك هذه التراتبية، في عداد العبيد والقن والسلعة وحقل التجارب التحكمية السلطوية لهذا الملك المؤلّه!، يتحكم في حياتهم وأرزاقهم كيف يشاء ومتى شاء. ثم هناك قطب رحى فيما يشبه تمحورية رمزانية تحاط بهالة من الأسرارية حول وجود برزخية روحانية متعالية تفصل دائماَ بين البشر المؤلّهين كحكام وبين البشر العاديين كمحكومين. وعلى جانبي مهاوي هذا البرزخ وضفافه ودركاته، حددت الأسطورة بالمرموز تارة وبالواضح تارة أخرى، أدوار كل طرف، والتي تكاد تتلخص في جملتين:

" الحاكم لا يُسأل لتعاليه! والمحكوم لا يتساءل لمهانته!"

ولأن الحاكم محجوب دائماَ بحجب القداسة والسمو والتعالي، فلغة التواصل بينه وبين رعيته، لغة مشفرة يضطلع الكهنة وحدهم بإنتاجها ووضع قواعدها والترويج لها بالمرموز، على شكل طقوس وعبادات تتحول مع الزمن إلى عادات متوارثة. ثم هم وحدهم المخولين بحق، تأويل مدلولاتها للشعب إما كأسرار تستعصي على عقولهم فيتوجب القبول بغموضها والإيمان والتسليم الأعمى بها. وإما كإشارات وإيحاءات ورسائل مشفرة متواضع عليها من كثرة الإلقاء والتلقي والضخ والنفث المستمر، إلى أن ترسخت في الذاكرة كممارسة تلقائية من كثرة العرض والاستعراض، على شكل مسرحيات في الاحتفالات والمهرجانات أو من خلال الطقوس التعبدية المبتكرة لتكريس سلوكيات معينة أو إحداث استجابات مرغوباً فيه.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق