الظلاميون الذين ادعوا لأنفسهم التنوير!
( مقتطف من الفصل الأول، ص. 7 )
2. ظلمات الأنوار
العهد بالتنويريين ! من العرب المستعربة أن رموا مخالفيهم بـ "الظلامية"، ظناً منهم أنهم بمجرد ترجمة لفظتي "تنوير" أو "نهضة" من اللغة الفرنسية إلى العربية، أنهم تنوروا! أو تحضروا، وأنهم بمثابة الرساليين! الذين سيقومون بتحضير وتنوير جمهرة المسلمين وإخراجهم من دياجير ظلمات تخلفهم إلى عصر النهضة والأنوار!. وكأن اللغة وعاء فارغ، وبمجرد أن تضيف إليه حجراً أو حصى، سينقلب بقدرة قادر أو معجزة إلى زبرجد يضاف إلى رصيد اللغة من اللؤلؤ!. بينما لا ترد "أنوار" هكذا بالجمع، (رغم عربتها ) في القرآن !. وهو شاهد مرجعي للغة العربية. فما هو السبب في ذلك يا ترى؟
فـ "النور" لا يرد في القرآن كله سوى بصيغة المفرد مقابل "الظلمة" بالمفرد أو "الظلمات" بالجمع (الله نور السموات والأرض)، سورة النور، الآية 35، (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات)، سورة البقرة، الآية 257 . لماذا أفرد "النور" دائماً وكثرت الظلمة مقابل هذا الإفراد المطرد؟. فنحن نتعامل مع مرجعية هنا، اختيرت مفرداتها بدقة ضمن نسق عقائدي مطلق. فمن خلال هذه المرجعية، ونحن نصدر منها وإليها، تعتبر "الإلحادية"، بغض النظر عن خلفيتها الاجتماعية أو البيئية أو الصراعية بين الكنيسة ومخالفيها "ظلامية". وكل ملحد فهو "ظلامي" توقيفاً بالنص، ثم "طاغوتي" تحديداً بـ "النص" و"التنصيص". والظلام ضد النور بإطلاق. ومتى استحضر المرء أحد القطبين أو أحد الطرفين، تحدد الثاني تلقائياً كنقيض ضمن ثنائية المتضادات.
فكلمة "الأنوار ومن خلال المرجعية الأوروبية، لفظة مشحونة بالإيديولوجيا ومتخثرة بالصراع الاجتماعي والديني الذين لا نظير لهما في ذاكرة العرب والمسلمين ضمن تجربتهم التاريخية والعقائدية. فلا يمكن من خلال هذه الحيثية ترجمة لفظة "ملغومة" و "ملغزة" كلفظة "الأنوار" ترجمة حرفية حيادية. إذ لن يقوم بذلك سوى أمي حضاري جاهل ببيئة المنشأ ونسقها المعرفي وبيئة المجتمع الهدف ونسقه المخالف. سريان جدد في النقل وخلاسيي التلفيق في السطو المعرفي : أي ذباب !
المثقف كنقيض للراهب.
الحروب العقائدية قديمة قدم الإنسان ذاته، والإسلام بصفته ديناً عالمياً، رحْمَةً للعالمين، عندما أتى بنموذجه الحضاري المخالف للحضارات القائمة التي انتشر فوق أرضيتها، كان مُنتظِراً لردود فعلها ومستشرفاً لجدلها بالتي هي أحسن في كل الأحوال ومع كل الخصوم باستثناء واحد،:إلا الذين ظلموا!. فهؤلاء لهم معاملة خاصة حسب أساليب ما ينتهجون فيخرجون عن القاعدة ويعاملون بالمثل، أي من جنس عملهم.فهو سجال أزلي من سنن التدافع الكونية لا يبلى ولا يُلغى!. لذلك فالجدل مع الإسلام أو ضد ه مباشرة أو بالوكالة، علانية أو بالتستُّر له صفة الاستمرارية. وهذا ما نستقرئه من خلال مجريات التاريخ، لأزيد من الأربعة عشر قرناً الآن. .
قد تتغير أرضية الجدل أو بيئته أو شكله، إلا أن مضمونه يظل من الثوابت كبصمة له. فالشرك هو الشرك وإن تقمص أشكالاً وأدواراً أخرى!. والكُفر هو الكفر، والإيمان كذلك.. وهلم جرا.وقس على ذلك باقي أمور الاعتقاد. ثم من لا يجادل من خلال سنن التدافع فهو على التحقيق غير موجود! أو قُلْ أنه ليست له قضية، بل يمكن الجزم أنه خارج الزمن ، أو خرج من تصنيفية الإنسان ودخل ضمن زمرة الدواب والأنعام حسب القرآن.
عرضنا هنا إلى نموذج تاريخي من هذا الجدل، وهو وإن كان قد احتضر وولّى في بلدانه الأصلية، انطلاقاً من خلفية مجتمعية مختلفة، إلا أننا عرضنا له لقيمته التربوية في مجال الدعوة، حتى يكون الداعية ملماً ومحيطاً بأنماطه، إن صادف بعض حفرياته في جداله!.
الظلاميون الذين ادعوا لأنفسهم التنوير
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode