أين كانت القرويين وأين كان رجالاتها يوم أن صلى إبليس على مذهب مالك ثم ركب الغمام وارتحل؟
بين خواء الشِّعارات وتطبيقاتها البليدة على الأرض.
السياسة الصليبية الفجّة للاستعمار الفرنسي المتدثر بشعار ثالوثه الثوري: حرية! ~ أخوة! ~ مساواة! ستظهر على حقيقتها العارية كتقمص جديد للشعار الصليبي القديم للكنيسة: الله ~ الابن ~ الروح القدس، الذي توجهت تحته جحافل المساجين وقطاع الطرق ومذنبي الحق العام لتحرير أرض اللبن والعسل (فلسطين) من نير احتلال المسلمين!، في كل من الجزائر ودمشق والمغرب على التوالي.
الغرابة هنا، لا تكمن في التقمص بقدر ما تكمن في الاستمرارية في ثورة تدعي أنها أتت كقطيعة في كل شيء! مع كل ما هو مسيحي!. وليس هذا النوع من التناقض معزولاً ولا شاذاً بمقاييس أوروبا الاستعمارية في هذه الفترة، بل مثل استمرارية للمخيال الجماعي الأسطوري القروسطي الموروث الذي أشربه الأوروبيون عامة والفرنسيون خاصّة في تعاملهم مع الشرق أو مع الإسلام. ففي اختزالهم للشرق جعلوه كله تركياً!، وفي اختزالهم للإسلام، قاسوه على مسيحيتهم!، وهما مغالطتين على صعيد العقيدة والاجتماع لا زالتاا تواكبهم حتى في محافلهم الأكاديمية الأكثر تخصصاً وخبرة!. إذ قلما كان اهتمامهم بواقع الإسلام والمسلمين بقدر ما عنوا بما تصوّروه عن كليهما وأداموه في ذاكرتهم وفي أدبياتهم وفي تعاملاتهم عامة. التعبير عن هذا المخيال أتيح للاستعمار الفرنسي يوم حلّت جنوده بالجزائر العاصمة سنة 1830 م. هنا بدون تلميعات أو مساحيق أو أقنعة أو ريتوشات عبّرت المشاعر عن دفائنها بعفوية الصبيان وحماسه المهوسين!.،

إرهاصة ما سوف يحل بمسجد "كتشاوة" جاءت على لسان الرئيس الأخونجي! الفرنسي نفسه!، الذي خطب الشعب الجزائري المسلم بمناسبة الذكرى المئوية لاحتلال الجزائر سنة 1930م بقوله:
- لقد جئت لتشييع جنازة الإسلام!!؟؟
وما دام الرئيس الثوري!، المفروض حسب شعارات دولته، أنه علماني!، أي لا يتدخل في الدين!، ابتكر لنفسه ديناً آخر مناهضاً له!، فلن نستغرب من الرعاع في الجيش الفرنسي أو المتطوعة في " الفرقة الأجنبية" من مرتزقة العالم المنضويين ضمن ذات الجيش، أن يعبروا بطريقتهم الخاصة والعفوية!، متى سنحت لهم الفرصة!.
الفرصة ستسنح لهم في 18 كانون أول ( ديسمبر) سنة 1932 م.
في هذا اليوم تمكن الأخونجيون الحريواتيون من قتل أربعة آلاف (4000 ) مصلي، هم كل من حضر إلى مسجد كتشاوة(القشاوة) لأداء شعيرة صلاة الجمعة في ذلك اليوم المشؤوم، الذي سيحفر في الذاكرة الجزائرية باسم " اليوم الأسود!". وما أكثر الأيام السود مع الاستعمار الفرنسي في الشمال الإفريقي!؟.
الملهاة العبثية هنا كمأساة تمثلت في غسل الجنود الفرنسيين لجدران المسجد بدماء المسلمين الجزائريين. بعدها قام القساوسة الذين قدموا مع العسكر بترنيم أناشيد الغفران! لتحويل هذا المسجد الذي كان يُذكر اسم الله فيه كثيراً إلى كنيس!؟!؟ باسم رب الجنود! واختتموا احتفالاتهم الدموية بإطلاق اسم " كنيسة القديس فيليب" على المسجد. وعلى أنقاض مساجد المسلمين أقام المستعمرون الإخونجيون 327 كنيساً جديداً في كل ربوع الجزائر، بينما لم يبق من مساجد المسلمين مع حلول استقلال الجزائر سنة 1961 م سوى 166 مسجداً، ليس منها أي مسجد عامر!، أما العاصمة، فلم ترث جزائر الاستقلال فيها سوى ثمانية (8) مساجد فقط!.، كان يمكن أن تتواجد بحي واحد من أحياء العاصمة في الظروف العادية!
لذلك نفهم نقمة الجزائريين على الحريواتية المساواتية الإخوانجية البرابرة هؤلاء المتسترين تحت شعاراتهم الفارغة!. أما المغرب فكان نصيبه من الرحيق الصليبي الفرنسي أدهى وأمر!.
ففي 16 مايو( أيار) 1930 م صدر من الإقامة العامة الفرنسية ما عرف ب " الظهير البربري" الذي قصدت من ورائه السلطات الاستعمارية تقسيم الشعب المغربي على أساس عنصري بدعوى وجود عرب وبربر في المغرب وبغرض إبعاد البربر! عن الشريعة الإسلامية واللغة والعربية.
الظهير نفسه سبقته إرهاصات ومقدمات وتحضيرات لا تخطئ في منحاها الصليبي ومحتواها الإجرامي الإنساني، من طرف الرسميين الفرنسيين وعلى أعلى المستويات!. فهذا الجنرال بريمون ( Brémond ) يصرح بالفم الملآن سنة 1923 في كتابه: " الإسلام والمسائل الإسلامية من وجهة النظر الفرنسية " (L'Islam et les questions musulmanes au point de vue français) بقوله:
- يجب محو إسلام البربر وفرنستهم!
ولن يختلف هذا عما سيقوله المستشرق غودفروى دومومبين (Gudefroy-Demombynes) سنة 1928 في كتابه: " المهمة الفرنسية فيما يخص التعليم في المغرب" ص. 119 :
(L'oeuvre française en matière d'enseignement au Maroc)
- إن الفرنسية وليس البربرية هي التي يجب أن تحل مكان العربية كلغة مشتركة وكلغة حضارة!
ويضيف ص. 120 :
- من الخطورة فسح المجال لتكُّون كتلة متراصة من الأهلين الموحدة في اللغة والمؤسسات.! يجب أن نستغل لحسابنا الصيغة التي كان يتبعها المخزن: " فرِّقْ لتحكُم!". وجود العنصر البربري مفيد كموازن للعنصر العربي الذي يمكننا استعماله ضد المخزن!.
أما كيف يمكن تحقيق هذا فيقول:
- إن قوام السياسة البربرية بالأساس هي في العزل الاصطناعي! للبربر عن العرب والمثابرة في تقريبهم منا من خلال التقاليد!
الأوساط المسيحية التبشيرية نافست العلمانيين في حماسهم هذا وأدلت بدلوها هي الأخرى من باب الخبرة التاريخية! . وهكذا وجدنا الآباء البيض يقدمون خبراتهم وكذلك آخرون مثل الأباتي غيرو (GuiraudِA.) المتخصص في القانون الذي يقول في كتاب صدر له سنة 1930:" العدالة الشريفية: أصولها، عملها، تنظيمها المستقبلي"، ص. 25 :
(La justice chérifienne: ses origines, son fonctionnement, son organisation future)
- يمكن غزو البربر، يجب توجيه غزو معنوي لهم!. الغزاة سيتكونون من الإرساليات المسيحية!. لنكلم هؤلاء الناس حول المسيح، أساطيرهم مليئة باسم المخلص!
تعليقات أخرى صدرت من محرر جريدة " لا كروى" (La Croix) أي " الصليب"(لسان حال الفرنسيسكان) جان غيرو ( Jean Guiraud) في مجلة " المغرب المسيحي!" (Le Maroc Catholique) في عدد نوفمبر(تشرين ثان) سنة 1923 :
- إن فتحنا لبلاد البربر! سيكون باسم فرنسا! بدل اسم السلطان. ولن يكون باسم المدرسة العلمانية والملحدة بل بالدينية (المسيحية)!
ووعد في نفس الوقت بمضاعفة عدد الإرساليات الفرنسيسكانية بواسطة معلمين من منطقة القبائل الجزائرية ، الذين تم تنصيرهم!
الخطة لتمزيق الرابطة الدينية للمغاربة برابطة الوطنية أو القومية، كانت ظهرت في ورشة الاستشراق الفرنسي، حتى قبل فرض الحماية عليه في 30 مارس سنة 1912 . فهذا البارون كارا دي فو ( 1867 ~ 1953 م) يقول سنة 1901:
- أعتقد أنه يتوجب علينا أن نسعى إلى تمزيق العالم الإسلامي وكسر وحدته الأخلاقية!. وأن نستخدم لهذا الغرض الانقسامات العرقية! والسياسية!. فلنشدد إذن على هذه الخلافات بغية زيادة الحس الوطني! أو القومي! من جهة، والإقلال من مشاعر المجتمع الديني من جهة أخرى!.
وغير هؤلاء كثير نسجوا هوسهم من عين بؤبؤ مخيالهم المعتوه الشيطاني المشرب والهوى!. إلا أن المغاربة كانوا للسياسة الفرنسية الصليبية بالمرصاد فأفشلوها وهزموها شر هزيمة عندما كاتبوا إخوانهم المسلمين في كل بقاع العالم فكانت ردة الفعل على قدر حجم الإجرام!.
فظهرت كتابات في مصر تساند المغاربة تزعمها رشيد رضا في مجلة المنار وكذلك شكيب أرسلان في لوزان بسويسرا وظهرت مقالات تندد بحكومة فرنسا وسياستها الصليبية في كل جرائد الشرق الإسلامي: فلسطين، دمشق، القاهرة، الحجاز، ليبيا، تونس وتقاطرت الاحتجاجات على الحكومة الفرنسية من علماء العراق ومن الجمعيات الإسلامية الأندونيسية الإثنتى عشرة في جزيرة جاوة وشيخ الإسلام في تركيا بل حتى من المذاهب الإسلامية مثل الشيعة في لبنان والمزابيين الإباضيين في الجزائر وتونس وليبيا ومن جمعية الشبان المسلمون في مصر الذين رأوا فيما أقدمت عليه السلطات الاستعمارية الفرنسية تكراراً إجرامياً لنكبة الأندلس في القرن الخامس عشر.
واكتشف المغاربة لأول مرة سلاحاً ناجعاً لمقاومة التنصير: الهوية الإسلامية.
السياسة الصليبية الفجّة للاستعمار الفرنسي المتدثر بشعار ثالوثه الثوري: حرية! ~ أخوة! ~ مساواة! ستظهر على حقيقتها العارية كتقمص جديد للشعار الصليبي القديم للكنيسة: الله ~ الابن ~ الروح القدس، الذي توجهت تحته جحافل المساجين وقطاع الطرق ومذنبي الحق العام لتحرير أرض اللبن والعسل (فلسطين) من نير احتلال المسلمين!، في كل من الجزائر ودمشق والمغرب على التوالي.