أين كانت القرويين وأين كان رجالاتها يوم أن صلى إبليس على مذهب مالك ثم ركب الغمام وارتحل؟
ابن بركة: الزواج العصري!
عقد المهدي هو وأخوه الأكبر عبد القادر زواجهما على بنتي القاضي أحمد بناني قاضي الرباط سنة 1943 م، الأميتين، على ما كانت عليه فتيات المغرب في تلك الفترة، عدا قلة كن يحفظن القرآن ولا يتعديانه إلى غيره ليصبحن مدرسات في كتاتيب تعنى بتربية البنات تحت اسم " الفقيهات" يعلمنهن القرآن. يقول مؤلفا سيرته1:
ما أن استقر المقام بالزوجتين في بيتهما الجديد حتى أخذهما زوجاهما في رحلة شهر عسل إلى (منتجع مدينة) إيفران، محطة صغيرة للاصطياف بالأطلس. مبادرة ثورية!!؟ في تلك الحقبة!. زيادة على أنهما شجعاهما على "نزع الحجاب!؟". فامتثلتا!، أولاً، بحياء!، ثم شيئاً فشيئاً أنزلاه ( الحجاب) إلى أسفل الأنف!، ثم إلى ما تحت الفم!، إلى أن صار الحجاب منديل رقبة!. ثم أصرا عليهما أن تقصا شعرهما وأن تتزييا بالزي الأوروبي!.
قيل لأحمد بناني بأن ابنتي قاضي الرباط تتجولان مُتبرجات! فما كان جوابه سوى أن قال: هما مع زوجيهما وتنصاعان لما يريدانه منهما!!؟؟
ويقولان أيضاً2
ستظل غيثة والبشير ( ابن المهدي) مع المهدي ثلاثة شهور في "تالسنت" ( معتقل المهدي في الصحراء قبل الاستقلال)، ثلاثة شهور تقول عنها غيثة اليوم بطريقة مؤثرة بأنها كانت الأوقات الوحيدة من حياتها التي كان زوجها لها وحدها {…}. ذهبت (إليه) ب"الجلباب " ورجعت (من عنده) ب " التَنُّورة!" طلب لها ملابس بالمراسلة!.
ثم يقولان أيضاً3:
غيثة ( زوجة ابن بركة) بدأت تتبنى شيئاً فشيئاً سلوك المرأة العصرية!؟: إنها تذهب للشاطئ! مع أختها وتصحب زوجها إلى حفلات الاستقبال الدبلوماسية في الرباط!.
قلت: هذه لم تلج مدرسة قط!؟.
وفي عرف القاضي أحمد بناني والد السيدة غيثة كما في عرف كل المالكية وغيرهم من المذاهب الإسلامية: أن من يفعل هذا بزوجته الأمية كانوا يسمونه في جيل الآباء: " ديوثاً!!. وهذه الموجة لم يسلم منها صغير ولا كبير ممن درج في المدارس الفرنسية وحتى المعربة السائرة على نهجها. ووالدا ابن بركة كسائر آباء هذا الجيل، كان أكثرهم دمث الأخلاق سليم السريرة والظاهر كما عرفت أكثرهم، على الأقل في مدينتي الرباط، التي ترعرعت فيها، إلا أن التمدرس في المدارس الفرنسية أو الناهجة نهجها اجتالت الأبناء أفسدت سجيتهم وفطرتهم فقلدوا وحاكوا!، على ما فصّل عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته من تبعية المغلوب للغالب وتقليده في كل شيء!، مما يمكن أن نصطلح على تسميته ب " تناذر ابن خلدون" أو " لُزمة ابن خلدون" (Ibn Khaldun's Syndrome ) الاجتماعية. وهم الأغرار الذين ما كان ليخطر ببالهم أنهم قردة مخبر في مشرحة المستعمر يكيفون حسب ما خطط لهم!. أضف إلى ذلك أنهم حيل بينهم وبين الدين والعربية إلا لمماً مع انتفاء أية معرفة بالعقيدة الإسلامية على الإطلاق، إلى أن هبت رياح الصحوة الإسلامية في السبعينات، فنهل منها من نهل وانتعشت روحه من هذه العيون وتنكب الباقون إما لانسداد الأفق أوانعدام اللغة أو نجاعة الهجنة. وعندما تنامى لدينا الوعي أدركنا كم كان هول الفاجعة؟ وكم أصاب الاستعمار من المغاربة شرخاً يصعب التئامه؟!.
إلا أن البلية، مع الأسف، بلية قديمة قدم القضاة المتآكلين بالدين من أجل الدنيا بالمغرب!. فالذي خرب الدولة المرابطية كان تآكل القضاة والفقهاء بها وهم أبعد ما يكونون عن تعاليم الإسلام، بل كان شذوذهم وشططهم وبغيهم، أساس الثورة الموحدية.
وإلى عهد قريب وقبل حلول الطوفان الذي مكن للمستعمرين تفريخ مثل هذه النماذج كتب الفلاق4 يصف هذه النماذج من بين معاصريه:
وما أوجب إكبابهم (فقهاء وقضاة عصره) على ما أكبوا عليه من ذلك الضلال المبين في مثل هذا الوقت المسكين، إلا أنهم وجدوه في الآلات الجيدة في محاولات أمور الدنيا، ووجدوا فيه ما لم يجدوه في الخدمة بالفأس وما أشبهها من الحرف الشاقة بأضعاف مضاعفة.
فترى الواحد من الطلبة أشبه شيء بالعذراء المخدرة لا في الخفر والاستحياء، بل في الترف ونعومة الأعضاء وهو قد جمع بين البيضاء والصفراء الآلاف والمئين، وهي تتضاعف وتتزايد على مر الليالي والسنين، وهي في اكتسابها لم يتعب فيها له يمين، ولم يعرق له فيها جبين..
فلا جرم لما جعلوا عملهم وسيلة إلى طلب الدنيا كيفما كانت، واستقروا في ذلك، ووجدوا في أنفسهم تمام القابلية عليه، سلبهم الله تعالى حلاوة الإيمان، وأوقعهم في حبالات الشيطان، واتصفوا من الصفات الذميمة بما لا يأخذه عدو ولا حسبان.

ثم انتقلت هذه الصفات الرديئة وسرت سميتها منهم إلى أتباعهم وأشياعهم والمقتدين بهم، فعظم الداء!، وعُدم الدواء وحل الشقاء والبلاء، فعمي الطريق الواضح، ونسي ما كان عليه السلف الصالح.
ورأى الأمراء هذه الأحوال من العلماء، مع ملازمتهم لأبوابهم ومصاحبتهم لكلابهم، فسقطوا في أعينهم، ولم يحفلوا بهم، لأنهم رأوهم شاركوهم فيما هم بصدده من الفساد، وعاونوهم على مظالم العباد.
فأي فلاح يرجى من هؤلاء أو صلاح؟!؟، فكل ما جرى من الفساد في الدنيا والدين، من لدن استأثر الله بالأنبياء والمرسلين والخلفاء الراشدين إلى هلم جرّا، معدود في فضائحهم، مسود به وجوه صحائفهم.

هذا كان أساس دروس شيخ الإسلام العربي العلوي والشيخ تقي الدين الهلالي وكل فقهاء البلد، قبل أن تكتشف الفتاة المغربية كغيرها من نسوة العالم الإسلامي، مع بداية الصحوة الإسلامية أنه أس من أسس الدين!. من ضيعه أو تهاون في حقه، فهو لما سواه أضيع!.
هذا ما فعلته المدرسة الاستعمارية بالمغاربة وهي تعمل جادة في تخريب عقولهم، إلى أن شاهدنا المحجبات يحاربن في المدارس الفرنسية بدعوى أن الحجاب خطر على الثورة الفرنسية وعلى الدستور!.. كذا!، دون خجل أو وجل، بل حتى مع حكم المحكمة بأحقيتهن في لبس الحجاب كحق من حريتهن، أصرت الحكومة، الحكومة داائماً!، على نزعه لهن!. بينما وجدنا الجنرال دوغول قد وشح صدر الممثلة الفرنسية بريجيت باردو (العنصرية اليمينية المتطرفة المشهورة من أتباع العنصري: لوبين) بوسام تقدير! من طرف الدولة الفرنسية على "عريها التام" في أفلامها!. بل اتخدت الحكومة الفرنسية رأسها كرمز لفرنسا!!!؟؟ وهذا ينبئك بالقيمة الرمزية لهذا الصنم العاري!
قلت: فإن تحاكمنا إلى الدين الطبيعي للحكومة الثورية، الأخوانجية، المساواتية!، الحريواتية! الفرنسية وقلنا بأن باردوا تعرت لضربة شمس أصابتها واعتبرنا ذلك من حقها!، ألا يحق من منطلق ذات المنطق المعكوس أن يكون للمسلمة الفرنسية الحق في تغطية رأسها لخوف من إصابتها برذاذ الزكام الثوري الملحد؟.
لا يزيدني مفهوم الحرية لدى المؤدلجين الثوار كلما تعمقت في تطبيقاتهم الفجة له، سوى التفكه من مثل منطق هذه العقول النخرة، التي تخفي تعصبها الإيديولوجي بمثل هذا البهار السمج! والسادج.
لذلك توجب على الداعية الفرنسي والفرنسية أن يتحليا بالصبر واللياقة واللباقة والحكمة عند تعاملهما مع مثل هذه النماذج ممن يؤمن بمثل هذه الأفكار ويعمل على تصحيحها بالحجة المقنعة والجدل البناء. لأن هذه منطلقات رسمية مع الأسف وليست من قبيل التهور الشعبي!.
أما خلفاء الزعيم المتآكلين برأسماله الرمزي كما عهدت زوايا المغرب من تآكلها باسم مشايخها فقد خصصت صفحات في جرائدها: "المحرر!" و "الاشتراكي!!؟؟" فتحتها لمتحذلقات شربن من هذا الماء الآسن والعكر! وظللن يقدمن النصائح المتعالمة باسم "علم النفس الفلكلوري!"! والعصرنة! والحرية! ما لا يشك لبيب أنهن مغسولات المخ يُعدن اجترار ما سجل في ذاكرتهن الممسوحة والمعادة الكتابة بحيث تقرأ فقط!.
فإذا علمت أن أحد الخونة الكبار وهو القائد التهامي الجلاوي المراكشي ( ت: 1376 هـ/1956 م) وفي إطار الحماية الفرنسية كان يتقاضى ومنذ سنة 1933 م ضريبة من خمسة آلاف عاهرة يمارسن البغاء في منطقة نفوذه، أدركت مدى الفاجعة التي حلت بديار المغاربة.
لقد أحيط بهم وبشرفهم من كل جانب إلى أن بدأ المغربي الذي لا زال فيه بقية حياء وشرف يخجل أن يفصح عن جنسيته عندما بلغ السيل منتهاه كما خطط له!.
إفساد الأخلاق كان مطلباً ثورياً لدى تعساء الإخونجية الحريواتية!
وبفضل فيارستهم التي فرخوها في البلد، تحولت الفتاة المغربية إلى شيخة!؟! عالمية!؟.
الهامش:
1 زكية داود والمعطي منجب: ابن بركة، ص. 109 .
2 زكية داود والمعطي منجب، ص. 120 .
3 نفس المرجع، ص. 204 .
4 محمد السفياني الفلاق كان معاراً للسلطان العلوي محمد (الرابع) بن عبد الرحمن بن هشام (ت: 1875 م): "تاج الملك المبتكر ومداده من خراج وعسكر" مخطوط بخزانة القرويين رقم 1997 . نقلاً عن أحمد العماري في " نظرية الاستعداد.." ص. 495 - 496 .
