لقاء المستشرقين مع التراث الإسلامي وإعادة اكتشاف النار والعجلة!
(الملف الأخير من مقتطف الكتاب)
من الملفت للعيان أن علم الحديث، وهو أس وسنم المنهجية النقدية، التي لا تجديد بدون إبقاء شعلة نبراسها مشتعلة، عانى أكثر من غيره، من باقي الحقول المعرفية الأخرى من الانحطاط العام الذى حل بالمنظومة المعرفية الإسلامية، وتحول بفعل الإكراهات القاتلة للتقليد المتكلس البليد وللجمود العام المصاحب، إلى حقل معرفي ضامر ومهمل، يُلاك ويُسترد لتجتر نصوصه، من باب التبرك فحسب!، بينما لا يتجدد فيه قول ولا منهج حتى صح فيه ما صح في غيره من الحقول الميتة بكونه: علماً نضج واحترق!
أ) وجوه الاستشراق
وكما هو الحال بالنسبة لأي علم أصابه الإهمال، بموت نوابغه ومبرزيه وفطاحيله وتسلط البلداء عليه، كما ورد في الأثر: بذهب "العلم" بذهاب العلماء،
أو لأية أسباب أخرى، فأكثر من يظلون يهتمون بالعلم الميت بعد أن يكون قد فارق الحياة المنتجة، ولفظ أنفاسه الأخيرة: الحناطون وأرضة التراث!
هذا كان حال ونصيب علم الحديث منذ القرن الثامن الهجري، واستمر إلى اليوم!.
والحدث الوحيد والعرضي الذي سيشهده الحقل، هو اكتشاف الحقل من طرف المستشرقين الأوروبيين مع نهاية الحملات الصليبية على الشرق الإسلامي، وذلك بعد فشل الحملة العاشرة ليوحنا هونبادي سنة 847 هـ/ 1443 م، ليجربوا حظهم في محاربة الإسلام بالقلم في القرب والجوار، وبالقرقعة في الأطراف، حال ما فعلت البرتغال باستيلائها على بعض جزر وثغور تابعة للمغرب، وفعلت إسبانيا في استيلائها على جزر الفلبين في المحيط الهادي سنة 1571 وبها جالية مسلمة كبيرة يومها، وفعل الهولنديون في استيلائهم على جزيرة جاوة الأندنوسية المسلمة سنة 1595،.....وفعل الفرنسيون في حملتهم النابليونية على مصر والشام مع نهاية القرن الثامن عشر (صيف 1203 هـ/ 1296 هـ/1798 م - 1216 هـ/نهاية 1801)، التي لم تكن جميعها تتستر على استعماريتها المكشوفة أو صليبيتها الدفينة.
وقد نتج حقل الاستشراق من هذين الدافعين: الديني أولاً ثم الاستعماري الذي أعقبه، ثم ما حصل من توحد أهدافهما معاً، بحكم أن خلفية المستعمرين جميعاً كانت مسيحية، ثم من قناعة المستعمرين بضرورة احتلال الوجدان بعد أن يتم لهم الاستيلاء على الأوطان والأبدان!
ثم انضاف إلى المسيحيين مع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، عنصران آخران، وهما:
- العنصر اليهودي،
- والعنصر الملحد.
وبحكم هذه الخلفية التبشيرية، وهذه المنطلقات العقدية المناوئة والمجاهرة بعداوتها للإسلام، فلن ينتظر المرء أية موضوعية، في مقارباتهم للبحث في الإسلام، خصوصاً وهم يعالجون حضارة انبنت كل صروحها الفكرية والعقدية ومقوماتها المادية على نقيض ما يعتقدون جميعاً بدون مواربة!
وكانت غالبية النماذج الأكثر فوعية في عدائها المكشوف للإسلام، أو لرسالته من بين كل هؤلاء الفرقاء، وبدون استثناء، قد أتو إلى الحقل بعد أن عاينوا الأثر المدمر الذي خلفته عاصفة النقدية التاريخية للكتب المقدسة، التي كان رائدها الأول ومؤسس مناهجها، غير مدفوع: الإمام، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (384 هأ/994 م - 456 هـ/1064 م) في كتابه المعلمة: "الفصال في الملل والأهواء والنحل"
(انظر كتابنا: "مدرسة ابن حزم الأوروبية في النقدية التاريخية للكتب المقدسة: رسالة في التسامح"، لم يطبع بعد، ما أمس متطلبات العصر إليه!)
وقد عرت هذه النقدية وأبانت بشكل لا يقبل التاويل أو التسويف على التحريف المذهل والمهول الذي تعرضت له كل نصوص العهدين: العهد القديم والعهد الجديد، بحيث تيقن الكل، وفي المطلق، استحالة البث في أصالة أيّ نص من نصوصها، أو الجزم بخصوص أسماء مؤلفيها الحقيقيين بأية درجة من الوثوقية أو اليقين.
وعلى ضوء هذه الخلفية المدمرة لأسس وصروح اعتقادات الفريقين الأولين من يهود ومسيحيين، لن نعجب أن تلتقي نوازعمها وأمانيهما مع فريق الملحدين، كل من منطلقه الخاص به، في إعمال وتشغيل ذات المناهج التي نجحت في تفكيك التراثية اليهودية والمسيحية على نصوص الإسلام، آملين في الحصول على ذات النتائج الباهرة!.
وكل فريق من هؤلاء الفرقاء المتنافري الأهداف والمقاصد، الذين لا يجمعهم جامع، سوى تحقيق مثل هذا الأمل، غنى بأغنيته المفضلة الخاصة به، ولهج بدعوى أو بفرضية ملكت عليه عقله ولبه، وتمنى أن يجد لها تحققاً وتصديقاً في واقع نصوص التراث الإسلامي!.
وهكذا، اتجهت أنظار الكل إلى العناية بمخطوطات التراث الإسلامي، فذهبوا يجوبون كل بقاع العالم الإسلامي بحثاً عنها لا قتنائها. ثم عكفوا عليها يحققونها ويعيدون طباعتها، بغية تيسير الحفر والنبش فيها، آملين في إيجاد الدلائل والبراهين القواطع على اطروحاتهم المتصورة في مخيالهم، عن الإسلام، وعن رسالته.
ومن حسن حظ التراث الإسلامي، أنهم جاءوا جميعاً على قدر، بغض النظر عن مقاصدهم الأصلية ومراميهم، بحيث لو لم تتجه عنايتهم نحو هذا التراث والاعتناء به مجدداً، وبذل ما بذلوا من جهد وأموال في هذا المسعى ولأزيد من ألف عام لضاع أكثره، إما بفعل الأرضة، أو من جراء تسعير وتشجير أفران الحمامات به، كلما قضى عالم وألت خزانته إلى ذرييته الأمية، خصوصاً بعد أن حل الانحطاط بديار الإسلام، وألقى بجرانه على مشارقه ومغاربه!
وفي خضم هذه الورشة الكبرى وقع حافر بعضهم على المقولة القديمة ل "المعتزلة"، في كون المحدثين لا يعنون سوى بالأسانيد، ويتجاهلون فحوى المتون!، فطاروا بها كل مطار!، وصدحوا بها عالياً فوق الأسطح، كحقيقة دون أن يحققوها!
قلت:
والمضحك!، هو أن يكون قد غاب عنهم جميعاً، وهم في غمرة الحفر والنبش، قانون التمانع الذي يقول:
لا يمكن التوصل في أي موضوع طرقه أحد المبرزين، أو الفطاحل المسلمين المشهود لهم بالريادة في تخصصهم، ومستواهم المعرفي بالعلوم لإسلامية أعلى بمراحل من مستوى أي مستشرق بإطلاق، إلى أية نتائج حاسمة تخالف ما توصلوا إليه!
وما مرد ذلك سوى، لأن الأقدمين المسلمين، وهم بناة حضارة وفي أوج عطائهم الفكري، لا يمكن مقارنتهم بحال بحفدتهم المنحطين، لأنهم يبزونهم، ومنذ البداية بخصلتين حاسمتين:
- الألفة والإحاطة بموضوع التخصص،
- الإلمام بلغة الخطاب،
بينما لم يكن ليرق قط بحث أي مستئرق، شأنه في ذللك شأن المسلمين المعاصرين له أنفسهم، وفي أحسن أحواله، عن مستوى الهواة في مثل هذه الأمور، على ما سيعترف به أكابرهم الأكثر نزاهة وموضوعية. وهو ما سندلل عليه نحن بالملموس وبأمثلة فاصلة ومقنعة.
فلن يكون إذن حال المستشرق، في أية مسألة تراثية خلافية تطرق إليها المسلمون الأقدمون، أحسن حالاً (هذا إن سلم قصده! واتسم بالموضوعية في مقاربته)، من ذالك الذي يعيد اكتشاف النار أو العجلة، التي اكتشفها علماء الإسلام قبله!
وهذا نابع من خاصية كون النصوص الإسلامية ذاتها، على ما مر بنا (وهو ما لم يدركه غالبية المستشرقين، لخلفية موروثهم المخالف في هذا السياق)، لا تشبه لا من قريب ولا من بعيد النصوص التوراتية أو السير المسيحية، مادام القرآن نفسه، ادعى فيهما التحريف، وقدم نفسه كبديل نهائي لكليهما.
و"التحريف" في النصوص المقدسة اليهودية - المسيحية، أمر مجمع عليه اليوم من طرف كل المتخصصين، ومن بينهم الكنيسة البابوية نفسها، السادنة الرسمية على هذه التراثية، التي أصدرت وثيقة رسمية تعرف ب "وثيقة فاتيكان الثاني" سنة 1965 لهذا الغرض.
ويمكن ان نضيف إلى هذه الحقيقة حقيقة أخرى، لا تقل عنها بداهة وهي أن العقيدة الإسلامية تتميز بميزات أخرى نوعية وجذرية عن عقائد اليهود والنصارى بالرغم من وحدة المنطلق التوحيدي فيهم جميعاً مثل:
أولاً: أن الاعتقاد في الإسلام لا يقوم على التقليد، أو الموروث، أو التسليم بغير برهان أو دليل، حال ما هو حاصل في اليهودية والمسيحية، مادام القرآن نفسه شنع عليهما ادعاء أشياء لا برهان لهما عليها، كما في قوله ( في سورة البقرة، الآية 111:
(وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى)
(تلك أمانيهم. قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)
وثانيا: أن "النصوص القرآنية" محفوظة من التحريف، بدعوى قرآنية صامدة، كما في سورة الحجر، الآية 9:
(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
وهي دعوى متحققة في الواقع، وملموسة، ومتيقن من صدقها، منذ أربعة عشر قرناً.
وثالثاً: أن القرآن يدعي استحالة إمكان تخطئة أي منطوق من منطوقاته، التي لها تعلق بالأمور الإخبارية عن الخليقة، أو الشعوب والأقوام الغابرة، أو التنبؤية المستقبلية، أو العلمية، حيث وجدنا بعض نصوصه تتحدى أياً كان في أن يفعل، كما في قوله تعالى في سورة فصلت الآية 42:
(وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)

(أنظر كتابنا: "الأسس العلمية لدعاوى القرآن"، لم يطبع بعد، وكتاب الدكتور موريس بوكاي (Maurice Bucaille): "الكتاب المقدس، القرآن والعلم" (La Bible, Le Coran et la Science)
وبالإجمال، فإذا ما أخذنا في الاعتبار كل هذه الأشياء مجتمعة، لم نستغرب كثيراً أن يقع المستشرقون في تلك الأخطاء القاتلة التي لا تصدر سوى عن هواة متعالمين، لا هم في العير ولا هم في النفير، ولا في أن يرجع جمعهم كله بخفي حنين، دون أن يصل إلى أية نتائج جديدة أو حاسمة، تخالف ما توصل إليه نظراؤهم المسلمون قبلهم، اللهم ما كان من تعريف الأوروبيين بهذه التراثية الإسلامية، بالرغم من كل السموم التي دسوها مع كل مقدمة، وكل التأويلات البعيدة الغور والنجعة التي أقحموها دون وجود أدنى مبرر لمسوغاتها، حال أي عمل تلفيقي ينقصه التخصص والإخلاص!
وبخصوص مقاربتهم لعلم الحديث عند المسلمين، فعندي أن فشلهم الذريع في فهمه ترجع إلى أمرين هامين:
- أن لا أحد من المستشرقين، كان ملماً بمنهجية المحدثين التي ندب نفسه للبحث فيها على مستوى التخصص الدقيق من حيث مستويات التحليل التي كان يتطلبها هذا الحقل العالي التخصص، أو روائز الغربلة المختلفة، التي كانوا يخضعون النصوص لها، للحيثيات التي قدمنا وهي: عدم الألفة، وعدم الاختصاص، على ما سيتبين للقارئ الكريم من خلال تشغيلنا نحن للمنهج بكل روائزه وبطارياته،
- كون المسلمين أنفسهم، المعاصرين للمستشرقين في كل من رحاب: الأزهر، أو الزيتونة، أو القرويين، أو عموم جامعات الهند،...، لم يكن حالهم بأحسن حال من المستشرقين، لأنهم هم أنفسهم كانوا قد تناسوا مناهج علم الحديث وآلياته منذ دهر، اللهم ما بقي من تحلة القسم عند بعضهم في تكرار المكررات، أو اجترار المجترات، دون طائل!،

ذلك، أنه:
- - لولا وقوع المستشرقين في مثل هذه المفارقة من سوء التقدير، التي لم يقدروا عواقبها!،
- - ثم، لولا الحافز العقائدي من وراء اندفاعهم للحقل!،
- - ثم، لولا ذلك الدعم الهائل الذي حصلوا عليه من طرف الكنيسة البابوية والكثير من الدول والمؤسسات الأوروبية، ومنذ نهاية الحملة العاشرة للحروب الصليبية منتصف القرن الخامس عشر، ومروراً بمراحل الاستعمار المختلفة التي أعقبتها والتي لا زالت بعض آثارها المدمرة مستمرةإلى يوم الناس هذا، وكلها لعبت دور الدينامو المحرك للحقل كله، لما عملوا على ترجمة التراث الإسلامي كله إلى اللغات الأوروبية المختلفة، حتى صار ما يوجد منه لدى الدول الأوروبية والأمريكتين، يتجاوز عشرات المرات ما يوجد منه لدى أية دولة إسلامية بإطلاق!.
وهذا المكسب، وإن جاء عرضاً على ما قدمنا، ولم يكن للمستشرقين بهدف ولا غاية في حد ذاته، فإنه يعد عملاً إيجابياً، على مستوى تقريب الإسلام من الأوروبيين، لأنه يفند من طريق مباشر دعوى شائعة ومروج لها في بعض الأوساط المغرضة التي تجهل بوقائع التاريخ، في قولهم الخاطئ بأن الحضارة الأوروبية هي: "حضارة يهودية – مسيحية - إغريقية" بالأساس، بينما الواقع التاريخي المجض، وكل معطياته تثبت أنها أيضاً، وقبل كل شئ إسلامية، بل وبدرجة أكبر، رغم أنف من رغم! مادامت الحقيقة العارية تجعل الإسلام وريثاً شرعياً لليهودية والمسيحية معاً، زيادة على كونه محاوراً أزلياً للإغريق، كما يمكن أن يتبين أي ملاحظ محايد من خلال هذا الحوار المستمر، المتبادل ما بين الضفة الشمالية والجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط، ومنذ فجر التاريخ.
لذلك أقول:

الألماني فريتز كرنكوف (Krenkow Fritz) (1872 – 1953) الذي تخصص في دراسة الأدب الإسلامي وله فيه إنتاج غزير، والذي تسمى ب محمد سالم الكرنكوي، وانتخب عضوا في "المجمع العلمي العربي بدمشق"،
والإنجليزي بوركهارت () (Burckhardt, T.)،
والنمساوي ليوبولد فايس (Weiss, Léopold) الذي أشهر إسلامه وتسمى بمحمد أسد، وتعاون مع الإنجليزي مارمادوك بيكتول الذي أسلم هو الآخر فأسسا معاً: "مجلة الثقافة الإسلامية" في حيدر آباد الدكن بالهند سنة 1927، وعكفا يصححان فيها بعض أخطاء المستشرقين عن الإسلام، وهو صاحب كتاب: "الطريق إلى مكة"، و"الإسلام في مفترق الطرق"، و"مبادئ الدولة والحكومة في الإسلام"،..وغيرها، التي كانت المدخل الرئيس للكثير من الأوروبيين والأمريكيين في التحول إلى الإسلام،

والإنجليزي مارمادوك بيكتول (1875 – 1936) (Picktall Marmaduk, W.،
والمجري جرمانوس (1884 – 1979) (Germanus, J) الذي تخرج في الاستشراق على يد جولدتسيهر، وصدق في إسلامه على عكس جولدتسيهر، الذي غلبت عليه شقوة الموروث القبلي فنكص!. وعندما طارت شهرته في الدراسات الإسلامية، دعاه الشاعر الهندي طاغور إلى الهند لتدريس التاريخ الإسلامي في جامعة دلهي، ولاهور وحيدر آباد خلال الفترة 1929 - 1932، فأعلن إسلامه في مسجد دلهي الكبير وتسمى بعبد الكريم،
والنمساوي شنيتزر (1840 - 1892) (Schitzer, Ed. )الذي اشتهر كفقهلغوي وإناسي وعالم طير، ورحالة. وكان قد توغل في أدغال إفريقيا واكتشف بعض منابع النيل، وبعد إسلامه اشتهر باسم أمين باشا الألماني،...وغيرهم.
قلت:
ومن الإيجابيات كذلك، أن بعضهم ممن سنعرض لبعض أقوالهم كشواهد، لم يستول عليهم التعصب الأعمى، ولا التزمت المقيت، كي يحجب عنهم الحقيقة العارية للمعطيات، بل كانوا مدركين لمثل هذه الصعاب والمعاوص، التي سوف تعترض سبيلهم، وهم يحاولون تفكيك وفهم منظومة فكرية مختلفة، كل الاختلاف عن المنظومة التي انطلقوا منها وشبوا وتربوا في أحضانها، وتتميز فوق هذا وذاك، بتصور خاص للنصوص، لا مثيل له أو نظير لدى أية أمة من الأمم، فكان صريحاً في الاعتراف بالعقبات المنهجية التي سوف تعترض مثل هذا الفهم أو التأويل الصحيح للمعطيات المتاحة.

“Beiträge zur Kenntniss der Poesie der Alten”, 1961, S., I-XXIV, Hanover.
قال نولدكه:
من الصعب جداً ان نتوجه في ميدان بداية الشعر العربي القديم. فكل شيء يتجلى فيه غريباً: سواء الأفكار المفردة، وترتيب القصائد.

لكن، كما أن العارف الخبير يدرك التمايز في ملامح مختلف أفراد شعب ما والفروق الدقيقة التي لا يبلغها الوصف الكتابي بين لهجتي مكانين متجاورين، بينما الشخص الغريب يبدو له في بادئ الرأي كل شيء متشابهاً، فإن البحث المعمق يستطيع أن يتبين الفارق في التصور بين مختلف الشعراء العرب.
ثم أضاف ببصيرة نافذة، كما يليق من مخضرم موسوعي تعامل مع تراثيات مختلفة، لتجنبه الوقوع في ورطة الأحكام الاختزالية القبلية:
صحيح أننا لا نستطيع أن نوغل في الحكم على القصائد إلى الحد الذي يستطيعه النقاد العرب، بل سيكون حالنا أقل مما يستطيعه فرنسي أو إنجليزي من الحكم الصادق على الشعر الألماني مثلاً!. ذلك، لأن ذلك يحتاج إلى معرفة بدقائق اللغة (العربية) والاستعمال الشعري، لا يستطيع اكتسابها أجنبي!

ألا نزال في غمّة من مجرد فهم معاني الألفاظ!
إذ القصائد ذات الحجم الظاهر في الشعر العربي القديم والتي لا يفهمها افضل العارفين، حتى لو استعانوا بالشروح القديمة، قليلة جداً، لا تفهم كما تفهم مثلاً قصيدة ل "هوراس" (Horace)1، أو "كاتلوس" (Catullus)2.
إننا نؤمل الكثير في المستقبل بفضل نشر المعاجم العربية (خصوصاً كتاب: "الصحاح" للجوهري) والشروح، ووضع معجم مزود بالشواهد، وبفضل العرض اللغوي التاريخي لطريقة الحياة العربية القديمة (كما قصد إلى ذلك المأسوف عليه فرايتاغ (Freytag)3 في بحث بعنوان: "مدخل إلى دراسة اللغة العربية"، وهو مع ذلك عسير الاستعمال مع الأسف!).....
قلت:
فيظهر من خلال هذا النص لنولدكة ثلاثة حقائق جوهرية:
التصريح الصريح بعدم إمكان مزاحمة أو مجارات العرب الأول في مثل هذه التخصصات، لأن ملكة اللغة العربية كأية لغة أخرى، لا تملك ناصيتها بالاكتساب والتعلم في الكبر خارج البيئة الحاضنة والمكان والزمان، لتعلقها بالذوقيات، والذهنيات، والأعراف،
عدم توفر معاجم دقيقة في اللغة العربية حتى في حدها الأدنى!، والترجمة في حد ذاتها، وكما هو معروف تتأرجح دوماً بين خيانتين: خيانة المعنى، وخيانة القصد!.
عسر استعمال ما هو مترجم من النصوص، مما ينبئ عن عي المترجم وقصور المترجم به عن تحقيق التطابق المعنوي أو الدلالي!.
وكلها تصب في قانون التمانع الذي ألمحنا إليه أعلاه.
بل أضيف زيادة على هذه الكوابح والعوائق المفهومية في التواصل، شيئاً آخر هنا، لا يقل أهمية وهو:
أن كل هذه البطارية من كشكول اللغات القديمة الأجنبية، التي عادة ما كان يتزين بها المستشرقون ويفاخرون في حقول التراثية اليهودية – المسيحية، تعتبر زُخرفاً صرفاً بالنسبة لمعالجة النصوص الإسلامية، مادامت كل النصوص الإسلامية، وهذه إحدى خواصها المميزة، هي بالدرجة الأولى نصوصاً عربية بالأساس، غير مشوبة ولا مدخولة، كي يحتاج الباحث فيها إلى مثل هذه البطارية من المعارف الفقهلغوية، على عكس نصوص التراثية اليهودية – المسيحية، التي تتطلبها ضرورة، لكونها كتبت بلهجات وبلغات مختلفة شتى!
وعند تعرية المستشرق من لباسه وريشه الفقهلغوي، فلا يتبقى ما يمكن أن يخصف به لستر عوار عورته البادية للعيان، سوى ما يملكه من المعرفة الأصيلة في اللغة العربية تمكنه من فهم النصوص التي يريد أن يتعامل معها!.
ونحن نعرف مسبقاً، وحتى بدون شهادة نولدكة أعلاه، أن جعبة المستشرق منها، لا محالة زهيدة، حتى مقارنة مع ما يملك منها معاصروهم من المسلمين العرب الجاهلين بالتراث، فما بالك، أن يقارنوا مع أحد الأقدمين ذوي السليقة والتضلع فيها أو المالكين لناصية البيان فيها؟.
قلت:
وبعد هذا التوضيح وهذا الإلماع الضروري، فتعالوا بنا نكتشف كيف تعامل بعض أبرز المستشرقين المتنطعين، أو المخاتلين، من منطلق عدواني صرف مع التراثية الإسلامية.
الهامش:
1 شاعر روماني لاتيني عاش خلال الفترة (65 ق.م –8 ق.م).
2 شاعر روماني لاتيني عاش خلال الفترة (84 ق.م – 54 ق.م).
3 فرايتاج، ج. و. ()Freytag, G., W) (1788 – 1861): مستشرق ألماني عنى بالشعر العربي عامة والجاهلي خاصة ونشر بعض المعلقات، والمرثيات، وأمثال لقمان، والميداني، وديوان الحماسة لأبي تمام، وصنف معجماً عربياً لاتينياً من أربعة اجواء أخذ 7 سنوات من عمره،..إلخ.