10
الجمعة, نيسان
0 مواد جديدة

تحريف النصوص كمهنة وموروث
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

تحريف النصوص كمهنة وموروث نموذج المستشرقين: مارغوليوث (Margoliouth)، وجولتسيهر (Goldzieher)

(مقتطف من الكتاب الغير مطبوع بعد) 

 تمهيد

التحريف في النصوص آفة عامة وقدر مقدور تتعرض له كل كتب التراث ما لم تتعهدها جهات متخصصة تعنى بحفظها وصيانتها. والتحريف للنصوص قد يحصل من جهتين:

  • تحريف عفوي: غير مقصود لذاته. ومرده عادة إلى الإهمال وسوء الاعتناء بالتراث، فتتعرض الكتب أو المخطوطات إلى التلف إما بالتآكل بسبب الرطوبة، أو الأرضة،..إلخ.
  • تحريف مُبيّت: وهو الذي يحدث بالنية والقصد لغرض عقدي، أو سياسي، أو مرضي إما: بالانتحال، أو الاختلاق، أو تغيير الكلم عن مواضعه، أو بالزيادة، أو بالبتر، ...إلخ.، وهو أخطر أنواع التحريف بإطلاق.

في نشأة وتطور التيار النقلي في الإسلام

وكان الحافز لنشأة ذلك الاهتمام الزائد بالنصوص لدى الرعيل الأول من المسلمين، هو وقوفهم على التحريف المبيت الذي تعرضت له الكتب المقدسة، التي بين يدي اليهود والنصارى {وكلاهما ينتميان، مع المسلمين أنفسهم، إلى الخط التوحيدي الإسلامي الإبراهيمي العام}، من طرف بعض الأحبار والكتبة، كما أشار القرآن إلى ذلك في سورة البقرة، الآية 75: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضيعه)

أو في نفس السورة، الاية 70:

(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم)

(ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به فمناً قليلاً)

(فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون )

فحرصوا كل الحرص على ألا يقعوا في مثله.

ثم ازدادت عنايتهم به كموضوع، إلى أن تحول مع مرور الزمن إلى حقل معرفي جديد سيتخذ اسم: "النقدية التاريخية للكتب المقدسة"، كما عندالإمام: أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الأندلسي (384 هـ/994 م – 456 هـ/1064 م) في كتابه المعلمة: "الفصال في الملل والأهواء والنحل "

البنية الحجاجية والجدلية لحضارة النص

والنصوص الإسلامية نوعان: نصوص قرآنية ونصوص حديثية.

(أ) كيف تم الحفاظ على النصوص القرآنية ؟

- تتميز النصوص القرآنية بكونها ثابتة بـ "الرسم" كتابة على الرقاع (من جلد أو ورق)، واللخاف (الحجارة البيض) والعسب (جرائد النخل) والعظام...، من طرف كتبة الوحي. وقد جمعت في حياته صلى الله عليه وسلم، ثم جمعت ثانية في عهد الخليفتين أبي بكر الصديق (51 ق. هـ - 13 هـ) وعمر بن الخطاب (40 ق. هـ - 13 هـ)، إلى أن تم التدوين الرسمي للقرآن في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان (47 ق. هـ - 35 هـ) في "المصحف العثماني" بحضرة الصحابة، وتسيير نسخه الأربع المعيارية إلى باقي الأمصار الإسلامية المفتوحة آنذاك، ليتحقق بذلك منطوق الدعوى القرآنية الصريحة في سورة "الحجر"، الآية 9: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)

صورة لمخطوط نص قرآني بدون تنقيط
صورة لمخطوط نص قرآني بدون تنقيط
والمصحف العثماني لم يكن منقطاً ولا مُنوّناً، ولم تكن تتميز فيه "الباء" عن "النون"، أو "التاء" أو"الياء" أو "الثاء"، ولا "الطاء" عن "الصاد" أو "الضاد"، ولا "السين" عن "الشين"، ولا "الفاء" عن "القاف"...إلخ.

لذلك كان حفظ القرآن عن ظهر قلب، وعرضه على الشيوخ ضرورة ملحة، لا مندوحة لمسلم عنها، إن هو رام اكتساب النطق الصحيح به، دون الوقوع في التصحيف المخل.

ولم يقتصر هذا الإحراج العملي، بسبب العيوب المعروفة للخط العربي النبطي يومها على المسلمين الأعاجم الجدد فحسب وإنما طال بحد سيفه ذوي السليقة في اللغة العربية من العرب والأعراب أنفسهم.

لذلك، استحدثت ومنذ البداية كتاتيب قرآنية عنت بهذا النوع من التلقين، استمر شكلها في بعض الدول الإسلامية، دون أدنى تغيير إلى وقتنا الحاضر.

وبمجرد أن تم للغويين تصنيف مخارج حروف اللغة العربية، مما أدى إلى نشأة "علم الصِّواتة" (La Phonétique) في اللغة العربية (وهو للتذكير، ما ظلت تفتقر إليه كل اللغات الأوروبية وإلى عهد قريب)، فقد تطورت معها مدارس في الأداء والقرأءات والتجويد، تمحورت كل واحدة منها حول قراءة صحابي مخصوص في كل من: المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة.

وقد حافظت هذه المدارس على هذه القراءات تلقيناً وعرضاً جيلاً بعد جيل، وأشتهرت منها وحتى نهاية القرن الثاني الهجري: أربعة عشرة قراءة، عرفت منها في عصر التابعين بالخصوص ثلاث قراءات وهي: (1) قراءة عبيد الله بن عامر الشامي (ت: 118 هـ)، (2) و قراءة ابن كثير المكي (ت: 120 هـ)، (3) و قراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي (ت: 127 هـ).

صورة لنقش بالخط النبطي
صورة لنقش بالخط النبطي
ونظراً للعيوب البنيوية التي تميز بها الخط العربي النبطي، فأول من نون القرآن لتيسير قراءته: أبو الأسود الدؤلي (ت: 69 هـ) وتلميذه نصر بن عاصم (تك 89 هـ)، وأول من حزبه الحجاج بن يوسف الثقفي (40 هـ - 95 هـ).

ثم انتقلت هذه العناية بالنص القرآني إلى مستويات أخرى، ليؤلف التابعي الحسن بن أبي الحسن البصري (21 هـ - 110 هـ) كتاب: "العدد" لعد أيات القرآن، ويؤلف يحيى بن يَعْمُر (ت: 89 هـ) مؤلفاً بعنوان: "كتاب في القراءة"، ويؤلف عبد الله بن عامر اليحصُبي (21 هـ - 118 هـ) كتاب:" اختلاف مصاحف الشام، والحجاز، والعراق"، و"كتاب المقطوع والموصول"،...إلخ.

وباكتمال جمع اللغة العربية من طرف اللغويين، وتقعيد قواعد النحو للغة العربية من طرف النحاة، سيحاول محمد بن عبد ارحمن بن مُحَيْصين (ت: 123 هـ) المطابقة ما بين قراءة القرآن وقواعد النحو في كتابه: "اختيار في القراءة على مذهب العربية".

وقد استمرت هذه العناية برسم المصحف والقراءات إلى يومنا الحاضر.

(ب) كيف تم الحفاظ على النصوص الحديثية ؟

وتتميز النصوص الحديثية بكونها ما أثر عن الرسول ( من قول أو فعل. وهذه، وعلى خلاف القرآن، رويت بالمعنى في أكثرها، ولم تدون رسمياً في حياة الرسول ( ولا في عصر الصحابة، وإنما نقلت عنه شفاهياً في الأغلب، ولم يتم جمعها وتدوينها سوى في عصر التابعين ومن بعدهم.

وهذا لا يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤثر عنه الأمر بالكتابة في بعض الأمور ! وقد جمع الدكتور محمد حميد الله بعض الوثائق والمعاهدات السياسية التي أبرمها الرسول في كتابه: "مجموع الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة" (طبعتها دار الإرشاد في ستينيات القرن العشرين).

قلت:

وأول من أثر عنه من الصحابة اعتناؤه بكتابة ما يسمع من أحاديث الرسول ( وبإذن منه: عبد الله بن عمرو بن العاص (7 ق. هـ - 64 هـ)، الذي أسندت له المصنفات حوالي 700 حديث. وذكر محمد بن بن سعد في طبقاته (4: 266) أنه كان يكتب بالعربية والسريانية.

وكان قد خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم  بقوله:

أسمع منك أحاديث، أخاف ان انساها، افتأذن لي في أن أكتبها؟

قال (الرسول صلى الله عليه وسلم): نعم.

وقد اشتهرت عنه صحيفة كان يسميها بـ "الصادقة"، ويرويها عنه ابن حفيده: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: 118 هـ)، وهي تحتوي على 220 حديث.

واشتهرت صحف أخرى عن كل من:

  • الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب (23 هـ - 40 هـ)، وقد أورد بعض أحاديث منها كل من البخاري في صحيحه في كتاب: "الفرائض"، باب: "إثم من تبرأ من مواليه"، وأحمد في مسنده (1: 79) من الطبعة البيروتية (أوفسيت) وغيرهما.
  • والصحابي جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري (16 ق. هـ - 78 هـ)، ويرويها عنه كل من: سليمان بن قيس اليشكري البصري (ت: قبل 80 هـ)، وأبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي (ت: 126 هـ)، وعامر بن شراحيل الشعبي الكوفي (19 هـ - 103 هـ)،
  • وصحيفة بهز بن حكيم بن عمرو بن حيدة بن قيس (ت: قبل 160 هـ)، ويرويها عن أبيه حكيم، عن جده الصحابي عمرو بن حيدة. وهي حوالي 30 حديثاً.
  • وصحيفة همام بن منبه الصنعاني (ت: 132 هـ) وهي حوالي 138 خبراً يرويها همام بسنده إلى الصحابي أبي هريرة (ت: 57 هـ)، ويرويها عنه معمر بن راشد اليماني، الذي يروي عنه بدوره عبد الرزاق الصنعاني (ت: 211 هـ) {وانظر لزاماً ما قلناه بخصوص كل أخبار هذه الصحيفة في "ضعيف الصحيحين" المنشور على هذا الموقع، وخصوصاً في الخبرين الضعيفين المخرجين في الصحيح نقلاً عن هذه الصحيفة: "لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم!!!!"، و"خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً!!!!"}.

في تدوين الحديث

أما التدوين، بمعنى جمع الصحائف والأجزاء بعضها إلى بعض، فأول محاولة نعرفها في هذا المنحى على صعيد قطري، كانت محاولة أمير مصر: أبي الأصبغ، عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية (ت: 85 هـ)، الذي طلب من كثير بن مرة الحضرمي الحمصي (ت: قبل 100 هـ)، وهو من كبار التابعين الذي كان قد أدرك سبعين بدرياً، ممن شهدوا غزوة بدر، أن يكتب له ما سمع من حديث رسول الله (. ثم تلتها على صعيد الخلافة محاولة ابنه: الخليفة الصالح: عمر بن عبد العزيز (61 هـ - 101 هـ) حين كتب إلى عامله على المدينة أبا بكر بن عمرو بن حزم (ت: 120 هـ) كتاباً يحضه فيه على جمع السنة النبوية بقوله:

أكتب لي ما ثبت عندك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحديث عمرة {بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة النصارية المدنية (ت: في حدود 100 هـ)، أوثق الرواة عن عائشة أم المؤمنين}، فإني خفت دروس العلم وذهابه.

وهذا الخبر صحيح النسبة إلى عبد الله بن دينار (ت: 143 هـ) المجمع على ثقته، ورواه من طريقه كل من: محمد بن سعد بن منيع في طبقاته، البخاري في صحيحه، والدارمي في مسنده، ومالك في "الموطأ" من رواية تلميذه وتلميذ أبي حنيفة: محمد بن الحسن الشيباني (ت: 189 هـ)، على ما سيأتي تفصيله لاحقاً.

قلت: وكل من اعتنوا بتحقيق النصوص القرآنية والحديثية، والعناية بها، وحفظها من الدخيل، والغريب، والتحريف، يعرفون بأصحاب النقل.

وظاهر مما تقدم أن هاجسهم تمحور بالأساس حول تحقيق مطلبين عقائديين:

  • الحفاظ على سلامة النص القرآني رسماً ونطقاً كما أنزل، وقد انبري للقيام بمثل هذه المهمة: كل من "اللغويين"، و"النحويين"، و"القراء"
  • التصدي للتحديات التي طرحها الكذابون والوضاعون الذين بدأوا يضعون ويختلقون الأخبار وينسبونها زوراً إلى الرسول (، إما لمسايرة أهوائهم، أو بدعهم، أو أحزابهم، فانبرى لهم فريق آخر من النقاد المتخصصين في نقدية الأخبار، شرعوا في تتبع إفكهم، وطوروا آليات ومناهج تتصدى لافتراءتهم، وعرفوا ب "المحدثين".

وواضح، أن اختلاف موارد النصوص، ولد تخصصات مختلفة لمعالجة كل مصدر بما يناسبه.

في نشأة وتطور التيار العقلاني في الإسلام

نشأ هذا التيار تلقائياً كرافد فكري ضروري من روافد تبليغ الدعوة الإسلامية نقية وكما أنزلت إلى باقي العالمين، بحكم عالمية الإسلام.

وقد لجأ من تخصصوا في هذا الجانب الجدلي من الدفاع عن الإسلام بالحجة والبرهان أمام المخالفين، إلى آليات الجدل لإإقناعي المخاطب للعقول قبل الوجدان. وسيتطور هذا التيار، بحكم تجدد المسائل المثارة، وزخم المعارف المكتشفة التي تدخل ضمن اختصاصاته مع مرور الزمن، إلى حقل تخصصي قائم بذاته، سيعرف لاحقاً ب "التيار العقلي" أو "العقلاني".

لكن، وبحكم تخصص كل طرف من هذين التيارين: النقلي، والعقلاني، في جانب واحد من جانبي إشكالية الحفاظ، فسوف تؤدي بهما أحادية البعد في مقاربتهما لتخصيصهما، إلى حصول نوع شرخ بين الحقلين، ستفضي بهما لاحقاً إلى تكوين قطبين متناظرين، بل ومتنافرين في أحايين كثيرة!، بدل أن يكونا متكاملين كما كان مأمولاً منهما!، وذلك بسبب من الاختلاف، حول مضمون بعض الأخبار، التي كان يقبل بها بعض المحدثين المتساهلين في قبول الأخبار بمناهجهم الهشة، ولا تجد ذات القبول من طرف "التيار العقلاني".

وكان من أهم المطاعن التي ظل حزب "المعتزلة" المحسوب على التيار العقلاني في الإسلام، يؤاخذ بها المحدثين هو: كونهم، إنما يوجهون جل اهتمامهم، في نظره، نحو التحقق من سلامة "الحوامل" (السند) ولا يعيرون بعد ذلك أيّ اهتمام يذكر ل "الحمولة" أو لفحوى "الرسالة" (المتون) الخبرية ذاتها!.

وهو مطعن، يجد بعض مبرراته في القطيعة المعرفية (الإبيستيمولوجية) التي حصلت بين طريقة تفكير الفريقين {وانظر لمزيد عن أثر هذه القطيعة المعرفية بين الحقلين ما كتبناه في كتاب: "إشكالية المصطلح في علوم الحديث" الذي يمكنك إنزاله من هذا الموقع}.

وليس بخاف أن مرد هذا الاختلاف المنظوري ما بين التيارين، ضمن الإطار المعرفي العام الذي يحكمه: "الأنموذج الإرشادي الإسلامي العام لإنتاج المعارف والعلوم"

Le Paradigme Islamique Général pour la Production du Savoir et des Sciences

يكمن في الأساس في الأولوية التي كان يوليها كل فريق ل "العقل" ولقدرته على الاستقلال بالرأي في المسائل العقدية والشرعية.

والملاحظ تاريخياً، هو أنه قل أن وجد من كان يستطيع أن يجمع ما بين شتات الحقلين، ويملك ناصية المنهجين سوى في النادر، حال ما وجدنا بالخصوص عند التقويميين الكبار: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الأندلسي (384 هـ/994 م – 456 هـ/1064 م)، وتقي الدين، أحمد بن عبد الحليم: ابن تيمية الحراني (661 هـ/1263 م – 728 هـ/1328 م). {أنظر كتبابينا: "صناعة الفقه (4): التقويمية الظاهرية"، و"صناعة الفقه (6): التقويم السلفي لابن تيمية"، ضمن سلسلتنا: "علماء الإسلام وملحمتهم التقويمية عبر التاريخ". لم نتمكن من طبعهما بعد والله المستعان}، ليعمل على مقتضاهما في تناغم منظومي متساوق، لما كان يتطلبه مثل هذا الجمع بين التخصصين من قدرة ذهنية وموسوعية تخصصية هائلة وغير عادية.

إذ فلا المحدثين كانوا متفرغين، بحكم تخصصهم، للخوض في الأمور العقلية الصرفة ليصولوا ويجولوا فيها تخرصاً، أو بافتراض فروض العمل على غرار المعتزلة، بسبب ما كان يتطابه حقلهم نفسه من حفظ ومن تخصيص لشطر كبير من ذاكرة الحافظ لهذا الجانب الاستذكاري الملح يومها، ولا المعتزلة أو الأصوليين بدورهم كان في مقدورهم، بسبب من الخلل الذي كانت تعاني منه ذاكرتهم في التخزين والاسترجاع، أن يدلوا بدلوهم في ميدان، هم أبعد الناس عن تحمله، وأقلهم باعاً في الإحاطة بنوادره وشوارده!

وهو إشكال ظل يلازم الحقلين منذ نشأتهما واستمر حتى العصر الحاضر، حيث وجدنا الشيخ الأزهري المصري محمد عبده (ت: 1905) يصنف نفسه ضمن العقلانيين أو المعتزلة الجدد!، بينما مثل الجانب النقلي في نفس الفترة، بعض رموز مدرسة لكنو الهندية، والحافظ بدر الدين الحسني المغربي، نزيل دمشق، وأحمد بن الصديق الغماري المغربي، نزيل مصر، والمصري أبو الأشبال: أحمد شاكر، والألباني: ناصر الدين، نزيل دمشق، من بين آخرين.

وعدا هذه القسمة الضيزى في الانتماء لهذا الفريق أو لذاك، فلم يتغير شيئ في العمق، لا في الشكل ولا في المضمون بالنسبة لمنظور الفريقين لحقليهما، بل ظلت طرائق تفكير كلا الفريقين تقليدانية، تتسم بالتكرارية المملة والاجترارية المخلة، لا تجديد فيها، ولا نور على منطقها، بالرغم من الدعاوى العريضة لبعضهم في الاجتهاد، أو التجديد!

الحاسوب والنقلة النوعية لحقلي الحديث والأصول

لكن، ومع بزوغ فجر الثورة المعلوماتية المعاصرة التي أصبحت متوفرة أخيراً بواسطة الحواسب المُعرّبة، واعتناء بعض المؤسسات التجارية بإدخال مجمل كتب التراث إلى المجال الإلكتروني على شكل موسوعات في مختلف الحقول العلمية الإسلامية التقليدية، ظهر أخيراً أننا أصبحنا قاب قوسين من الإفلات من هذه الورطة التاريخية، وهذا الضيق الإجرائي، بما أصبحت توفره الحواسب الإلكترونية من قدرة هائلة على تجميع المراجع، واستحضار نصوصها بيسر عند الطلب، وبما توفره أيضاً من خوارزميات تحليلية هائلة وغير مسبوقة في الاسترجاع والتناص والمقارنات.

وهو ما عمل أخيراً على فك عزلة الحقلين عن بعضهما البعض، ووصلهما، وتوسيع مجاليهما رائزياً وإجرائيا، لينفتحا معاً كتخصص موحد على آفاق غير مسبوقة في التحليل المتعدد التخصصات، سواء على مستوى "الحوامل النقلية"، أو "المتون النصية"، بما لم يحلم به محدث قط!، ولا جال بخاطر أصولي بإطلاق!، خصوصاً بعد أن تيسر توثيق الحديث تلقائياً وموضوعياً بمعيارنا الرياضياتي العلمي الثنوي الصامد أمام كل تخطئة.

وأول قطوف ثمار هذه الثورة الإعلامية: هذه الألواح التي نضعها بين يدي القارئ غير المتخصص، والتي عملنا على تقديمها له على شكل خرائط تحليلية تزامنية شمولية (ٍSynoptique) تمكنه من تتبع الخبر بيسر عبر الزمن، وعبر حملته، كأحدهم، وتمكنه في ذات الوقت من الحكم على الخبر تلقائياً وببرد اليقين بدون أدنى تردد وبأقل احتمالية في معاقرة الخطأ.

التفكير في إعادة تدوين الحديث النبوي الشريف معيارياً

وهذا المعيار الموضوعي للأخبار سيمكننا، ولأول مرة في التاريخ الإسلامي، من إعادة تقييم كل الأحاديث النبوية، من جهة درجة يقينيتها، أو درجة وثوقيتها النقلية عبر طبقات أجيال الرواة الثقات، بشكل شمولي واستقصاي.

وهو ما يعني، في بعض ما يعنيه:

أولاً: إعادة تاليف ما يربو على أكثر من أربعة ألف كتاب، تخص كل حديث حديث، من حيث رواته، ومتنه، وفقهه، وتنزيله،...على غرار بعض إصداراتنا مثل: سلسلة كتبنا: "أحاديث في السياسة لا تصح"،..إلخ. (أنظر مقتطفات منها على موقعنا هنا)، وأنموذجها الأمثل: "المهدي اللامنتظر لا عند اليهود ولا عند الشيعة، ولا عند السنة، ولا عند البرتغال" بشقيه: التاريخي، ويمثله الكتاب المطبوع الموطئ والشارح لطروء فكرة "المهدوية" كفكرة وتطورها عبر التاريخ، والحديثي، وتمثله الألواح الشمولية التزامنية، والتي هي بمثابة الدليل المادي الذي لا يرد،على تحقق دعوى عنوان الكتاب، بدون ادنى لبس أو مواربة.

ثانيا: وكنتيجة مباشرة لمثل هذا التدوين، فسنتمكن، ولأول مرة كذلك، من تجاوز الكثير من الإحراجات والمعاوص القديمة التي أقضت مضاجع المحدثين والفقهاء والأصوليين القدماء، ولم يجدوا لها من حل.

وهكذا سنتمكن من تجاوز الكثير من الخلافات الفقهية، التي تعتمد الأخبار، لوجود مثل هذا الرائز الموضوعي المعيار في المفاضلة بين الأخبار من جهة درجة اليقين والوثاقة في نقلها.

ثالثاً: ردم تلك الهوة الساحقة التي فصلت ما بين حقول: الأصول، والفقه، والحديث، وباقي العلوم الأخرى، وبينها جميعها وبين أفهام ومدارك عموم المسلمين، لينفتح باب الاجتهاد على مصراعية لأكبر عدد منهم، كحق مشاع لهم، كالماء والهواء، متيحاً لأيّ متخصص منهم في أي حقل كان، استعمال نتائجه وتنزيلها على حقل تخصصه مباشرة بما يناسبه ويسايره، بعد أن يكون قد تيقن كل اليقين من درجة وثوقية النصوص، التي يريد أن يشيد فوقها نظريته، أو ينزل عليها اجتهاده أو تنزيله، دون أن يحتاج إلى مراجعة أحد فيها، سوى الألواح المخرجة معيارياً ذاتها.

وهو استئناف للمسيرة المُحَضِّرة للإسلام مجدداً على أسس علمية صلبة وصامد من جهة المرجعية النصية: "قرآناً"، و"سنة"، بعد أن كانت هذه المسيرة قد أصابها العطب، وتلكأت عن مسايرة المستجات، منذ التدوين الشمولي الأول زمن بني العباس في القرن الثالث الهجري.

ولا شك أن مطعنا قاتلاً كالذي طوح به المعتزلة في وجه المحدثين، لو كان متحققاً في نفس الأمر وكان من ثوابت الحقل، لعد قاصمة له، ولنسف المنهجية الحديثية نسفاً وأتى عليها من القواعد بدون جدال، بسبب عدم التساوق المنطقي ما بين:

أ) مقدمات المنهج، التي تنشد الصلابة المطلقة في وثوقية الأخبار بالنقل، كمطلب عقدي شرعي ملح، من جهة الأمر الرباني الملزم الاتباع: (ولا تقف ما ليس لك به علم)

ب) ونتائجه "الخُلْفِية" الطاهرة الخوار والهشاشة والعوار!

وهو أساس هذه المراجعة الشاملة للحقل وآلياته ومناهجه وطرائقه, وهو ما خصصنا له مؤلفاً قائماً بذاته وهو: "إشكالية المصطلح في علوم الحديث" المعروض على هذا الموقع.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق