”فيثاغورس الساموسي“ (570 – 500 ق.م).
تقول سيرته بأنّ والده التاجر منيزارخوس (Mnesarchus) الصوري الأصل كان قد جَلبَ الذرةَ إلى مدينة ساموس (Samos ) في وقت مجاعةِ فمنحته هذه المدينة مواطَنتها امتناناً لصنيعه.
وقد صرف فيثاغورس سَنَواتَ طفولته الأولى في ساموس لكن سافر على نحو واسع مَع أبّيه أثناء قيام الأخير بتجارته.
وتقول حكاية أخرى بأن والده رجع إلى صور مع ابنه، وبأنه تعلم هناك على يد كلدانيين ورجال متعلمين من سوريا. ويَبْدو أنّه زارَ إيطاليا أيضاً مَع والده.
وكان فيثاغورس، كابن مترف، يفهم في الشعر ويقرأ لهوميروس كأي مثقف إغريقي في عصره. وقد تأثر بثلاثة فلاسفةِ في شبابه:
1) "فريخيدس" Pherekydes ) ) معلمه المباشر،
2) وطاليس،
3) وتلميذ الأخير: أناكسيماندرAnaximander ) ) (611 ق.م – 545 ق.م.
ويُقالُ بأنّ فيثاغورس زارَ طاليس في مدينة ملطية عندما كان سنه يتراوح ما بين 18-20 سنةً، أي يوم كان طاليس طاعناً في السن.
وينتظر المرء، أن يؤثر طاليس بمعارفه وسفرياته في الشاب فيتاغورس وأن يخلق في ذهن شاب في مثل سنه انطباعاً قوياً، إلا أنه لم يتعلم منه الشيء الكثير لقصر فترة اللقاء بين الرجلين.
ومما لا شك فيه هو أن طاليس ساهم في توجيه إهتمامِ فيثاغورس نحو الرياضياتِ وعِلْمِ الفلك، حيث تقول مقتطفات سيرته بأنه هو من نَصحَه بالسفر إلى مصر لملء جرابه من هذين التخصصين.
والأكيد أنه استفاد أيضاً من المحاضرات التي كان يلقيها أناكسيماندر، المهتم بالرياضيات والهندسة والكونيات.
وسوف تسنح الفرصة لفيثاغورس أخيراً ليعمل بنصيحة أستاذه طاليس ليسافر إلى مصر سنة 535 قبل الميلاد.
والظاهر أنه سافر في مهمة ديبلوماسية لأن الطاغية المستبد بوليكرتس ( Polycrates ) {يطلق الإغريق اسم الطاغية على الحكام الذين نصبهم الفرس على رأس المدن التي احتلوها} حاكم مدينة ساموس كَانَ قد عقد حلفاً دفاعياً مَع مصر وتوطدت العلاقات بين البلدين في تلك الفترة.
وتشير القرائن إلى أن فيثاغورس وبوليكراتس كانا صديقين في البداية وبأن الأول زار مصر ومعه توصية أو رسالة اعتماد من الأخير سمحت له بزيارة العديد مِنْ المعابدِ ويسرت له اللقاء مع العديد من كهنة مصر وأجرى معهم العديد من الحوارات.
لكن، وبحسب رواية أخرى يرويها الفيلسوف فورفوريوس الصوري (233 - 301 م) {الصورة} في كتابه: "حياة فيثاغورس" تقول بأن فيثاغورس منع من الدخولَ إلى كُلّ معابد مصر ماعدا معبد: "ديوسبوليس" ( Diospolis ) الذي قبل بانتسابه إلى كهانته بعد أن أكمل المناسكِ الضروريةِ للقبول.فورفوريوس الصوريومن اليسر تتبع خيوط العديد مِنْ إعتقاداتَ فيثاغورس، التي سيفرضها لاحقاً على أتباعه في إيطاليا، إلى التعاليمِ التي تلقفها من الكهنة المصريين.
ويذكر الخبراء كشواهد على هذا المنحى في تعاليمه الصوفية، و"التصوف" قديم في المنطقة، وله خاصية التلون والتبرقع بالمذاهب السائدة:
1) الإسرارية: وهي طقس من طقوس الكهنوتية المصرية،
2) رفضهم لأَكْل الفاصوليا،
3) رفضهم للِبس القماشِ المصنوعَ مِنْ الجلودِ الحيوانيةِ،
4) حرصهم على التطهر،
وأربعتها وجدت طريقها إلى تعاليم فيثاغورس.
ويضيفُ فورفوريوس:
بأنّ فيثاغورس تَعلّمَ الهندسةً مِنْ المصريين
إلا أننا نعلم أنه قد أخذها رأساً ً من طاليس الذي سبقه إلى مصر، ثم من تلميذ الأخير: أناكسيماندر.
ولعل ما قوى من الأواصر الروحية لفيثاغورس بالشرق، هو أن قمبيز الثاني ملك بلاد فارس سيغزو مصر سنة 525 قبل الميلاد بعد أن تحالف مع بوليكراتس الذي نقض حلفه الأول مع مصر وانقلب عليها مرسلاً لأربعين ( 40) سفينةَ لتنظم إلى الأسطولِ الفارسيِ المهاجم للمصريين.
وارتباط فيثاغورس بالمصررين يشهد له حدث تاريخي محوري في حياته، ذلك أن قمبيز الذي انتصر على المصريين في معركة "بيلوسيم" (َ Pelusium ) في دلتا النيلَ أسر فيثاغورس وسباه إلى بابل.
ويقول الأفلاطوني المحدث، والعرفاني والإسراري الغنوصي الجلد: " يامبليخوس الخلقيسي السوري" (250 - 330 م) (Iamblichus of Chalcis) بهذا الخصوص:
. . . نُقِلَ فيثاغورس مِن قِبل أتباعِ قمبيز كسجين حرب. وأثناء تواجده ببابل ارتبط بسرور مع "المجوس" (Magoi) . . . وأرشد إلى مناسكِهم المقدّسةِ وتَعلّمَ منهم طقوس العبادة الباطنية جداً للآلهةِ. وَقد بلغ قمّةَ الكمالِ أيضاً في الحسابِ والموسيقى والعُلومِ الرياضيةِ الأخرى التي يدرسها البابليون. . .
قلت (عمراني): فالباطنية إذن كانت هنا ! وستتلون بلون المسيحية أثناء سيادتها بالشرق، لتتبرقع بالإسلام عندما سيسود بدوره، لتعيش يوماً آخر !.
وعندما قُتل بوليكرتس في غضون 522 قبل الميلاد وتبعه قامبيز في صيفِ نفس السنة وآل الحكم في ساموس إلى داريوس الفارسي، أفرج على فيثاغورس فعاد إلى بلدته بعد أن أمضى في أسره 5 سنوات. وسيسافر إلى قبرص بعد فترة وجيزة من عودتِه إلى ساموس لدِراسَة نظامِ القوانينِ هناك. وبعد عودته إلى بلدته من جديد أَسّسَ مدرسة أطلق عليه اسم: " نصفَ الدائرة".
ويقول يامبليخوس بخصوص هذه المدرسة:
. . . أنشأ (فيثاغورس) مدرسة 'نصف الدائرة' في مدينةِ ساموس، الإسم الذي لا زالت تعرف به إلى اليوم1، وتعقد فيها الاجتماعات السياسية للساموسسين. وهم يقومون بهذا لأنهم يَعتقدونَ بأنه يَجِبُ على المرء أَنْ يُناقش الأسئلةَ حول الطيبوبةِ والعدالةِ وتصريف الأمور في هذا المكانِ الذي أُسّسَ مِن قِبل رجلِ جَعلَ من كُلّ هذه الأمور شغله الشاغل. وقد اتخذ لنفسه مغارة خارج المدينةِ درس بها تعاليمه الفلسفية الخاصة. وكان يقضي أغلب الليلِ والنهارِ هناك ويَجري أبحاثه في إستعمالاتِ الرياضياتِ. . .
قلت (عمراني):
ويتبين من هذا العرض الوجيز لسيرة فيتاغورس، أن تعليمه كله أخذه من الحضارتين العملاقتين في الشرق، مصر ووادي الرافدين. وبأنه مزج بين إرثه الفلسفي الإغريقي وصوفية الشرق في شكلها الإسراري الباطني، مكونا لمذهب صوفي مخضرم وملفق سيعيش قرونا بعده.
وقد يعجب المرء للديمومة التي اشتهرت بها المدرسة عبر الزمن ولنجاحها الباهر الذي حققته على صعيد الفكر والممارسة، خصوصاً إذا ما علمنا بأنها قد مازجت ولفقت بين نقيضين: الفكر التخرصي الفلسفي الإغريقي، والديانات الإسرارية والباطنية الشرقية!.
وليلاحظ القارئ بأن التدوير وإعادة الإنتاج للأفكار خاصية كونية، وليست شرقية بالأساس، إذ هي فرض من فروض تبعية المغلوب للغالب، كما اكتشف المؤرخ والمنظر الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون ومنذ القرن الثامن الهجري. {أنظر المقدمة لابن خلدون}.
ومن هذه الحيثية فالتدوير الفيثاغورسي، يعد بدون جدال من أنجح التدويرات على صعيد الفكر والسلوك التي حصلت في المنطقة، حيث ساهم الإغريق في الطبخة الجديدة بالفلسفة وساهم الشرق بإسراريته وباطنيته وأساطيره.
هذه الطبخة ستطبع تفكير وسلوك المنطقة الشرقية بطابعها الخاص، وستكون ذات عود أبدي، طافية على السطح كلما خبت شعلة الوعي الحضاري في الحفدة، لتظل منافسة ومشوشة على كل قطيعة معرفية معها، حال التعاليم المسيحية الهشة أولاً ثم تعاليم الإسلام نفسه الأكثر صلابة لاحقاً.
ويتبين أيضاً على صعيد الكونيات، أن حتى مطلع القرن الخامس ق.م، لم يضف الإغريق من قطمير لما قال به المصريون والرافديون من قبل، بالرغم من الإصرار العجيب لبعض نرجسيي الغرب على إسباغ الإعجازية الإنجازية على الحضارة الإغريقية وكأنها ظهرت إلى الوجود من دون مقدمات، بينما أباؤها المؤسسون لم يكونوا يعانون من مركب نقص الأوروبيين الذين سيظهرون على مسرح التاريخ بعد 2500 عام، ليعترفوا، وبرحابة صدر، بأن جل علومهم ومعارفهم إلا اللمم أخذوها طراً من المصريين والرافديين.
لذلك سيقبل المشارقة القدماء بالإغريق وبانتمائهم للشرق وسيعتبرون إنجازهم الحضاري مكملاً لإنجازات قومياتهم المختلفة التي تعاقبت على حكم المنطقة، بينما لن يقبل حفدة المشارقة بعد 2000 عام بالأوروبيين، بالرغم من اشتراكهم معهم في الأصول الحضارية والدينية، للغطرسة وللنرجسة وللمركزية المفرطة التي تولدت فيهم.
وظاهر أيضاً أن القول بإنغلاق الكون وبنهايته وعدم توسعه، بل وبفلزية السماء، هو ما يستشف من النماذج الكونية للمصريين والرافديين ثم الإغريقية تبعاً، بالرغم من الحبكة الأسطورية المصاحبة لوصف كل كون.
لكن، يبقى أن ندرس بعض المنظومات الفكرية التي سيكون لها رواج بين الإغريق، ثم الشرقيين: مسيحيين ومسلمين، قبل أن تنتقل التركة إلى الأوروبيين.
فيثاغورس الساموسي
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode
تقول سيرته بأنّ والده التاجر منيزارخوس (Mnesarchus) الصوري الأصل كان قد جَلبَ الذرةَ إلى مدينة ساموس (Samos ) في وقت مجاعةِ فمنحته هذه المدينة مواطَنتها امتناناً لصنيعه. 
ويقول الأفلاطوني المحدث، والعرفاني والإسراري الغنوصي الجلد: " يامبليخوس الخلقيسي السوري" (250 - 330 م) (Iamblichus of Chalcis) بهذا الخصوص: