10
الجمعة, نيسان
0 مواد جديدة

هل خلقت المرأة من ضلع عوجاء ؟
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

هل خلقت المرأة من ضلع عوجاء؟

تخريج أخبار المرأة الضلع

ورد في "التوراة" في سفر "التكوين" (3: 21-22) أن زوج آدم عليهما السلام ولدت من ضلع آدم:

وأنزل الله على آدم نعاساً عميقاً، وأثناء نومه أخذ الله إحدى ضلعيه وغطى مكانها باللحم. ومن هذه الضلع التي أخذها الله من آدم صنع الله امرأة وقدمها لآدم

كيف تسربت الإسرائيليات إلى الإسلام؟

بما أن المسلم مطالب عقدياً بنصوص قرآنية محكمة، أن يؤمن بكل النبوات التوحيدية ويؤمن بالتوراة وبالإنجيل (سورة البقرة):

وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿135﴾ قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿136﴾ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿137﴾ صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ﴿138﴾ قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴿139﴾ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿140﴾ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿141﴾

وأيضاً في نفس السورة:

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿285﴾

فكان المسلم لا يتحرج إذا عرض له نص له تعلق باليهود أو النصارى أن يستفسر فيه أحد هذين الفريقين.

والمحذور في مثل هذه الاستفسارات، هو أن كتب العهد القديم لم تسلم من التحريف ولا من الزيادة ولا النقصان، بل وحتى الاختلاق على ما قرر القرآن نفسه.

ثم، إن كتب السير للسيد المسيح عليه السلام لم يكتبها شهود عيان ممن عاصروه وإنما كتبت بعد الأحداث بجيل أو جيلين وبحسب ما تلقف كل كاتب للسيرة من مصادره، وأضاف لها من تأويلاته، بحسب انتمائه العقدي على ما أثبتت النقدية التاريخية للكتب المقدسة {أنظر تفصيل هذه الأشياء على هذا الموقع لأهمية الموضوع: "لماذا الإسلام ؟" (Pourquoi l'Islam ?)}.

وبناءً على هذين المعطيين الموضوعيين، فلم يكن السائل في مأمن أن يأخذ بالمُحرف والمُختلق من هذه التفسيرات، خصوصاً وأن المستفسَرَ (بالفتح) الكتابي في تلك العهود كان يؤمن إيماناً جازماً بأن نصوصه المقدسة لم يشبها تغيير ولا تبديل!.

وهكذا تسربت الكثير من المفاهيم المغلوطة والخاطئة إلى التراثية الإسلامية إما من خلال كتب التفسير، أو من خلال الأخبار التي لفقها الوضّاعة ونسبوها زوراً وبهتاناً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو منها براء.

وأخبار "خلق المرأة من ضلع"، هي من هذا النوع من الإسرائيليات التي وجدت طريقها، ليس فحسب إلى التراثية الإسلامية، بل إلى الصحيحين ذاتهما!، بسبب الغفلة عن هذا المصدر، وعدم تشغيل المنهج النقدي التاريخي المقارن.

خاصية الأخبار المنسوبة إلى أبي هريرة:

توطئة ضرورية

إن أوثق الأسانيد إلى أبي هريرة هي كما يلي، ما لم يعتريها شذوذ داخلي، أو علة خفية وهي:

-السند الأول (مدني) وسلسلته يرويها:

- (4) مالك بن أنس (93 هـ - 179 هـ)، عن (3) محمد بن مسلم: ابن شهاب الزهري المدني (58 هـ - 124 هـ) ، عن (2) سعيد بن المسيب المدني (13 هـ - 94 هـ)، عن (2) أبي هريرة (ت: 57 هـ).

الأرقام هنا تشير إلى طبقة الراوي المعيارية (أنظر كتابنا: "الهندسة الحديثية").

ويعد هذا السند أوثق الأسانيد إلى أبي هريرة على الإطلاق، لكن لا يضمن مع ذلك، الجزم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم نطق فعلاً بخبر ورد بهذه السلسلة، وذلك لإمكان ورود النسيان والخطأ على أحد رواة هذه السلسلة أثناء تحديثه بالخبر. وهو ما أخذ به المحدثون في تعريف "الحديث الصحيح". (أنظر مقدمة ابن الصلاح).

لذلك اشترطنا لتلافي هذا الاحتمال، ضرورة وجود متابع شاهد لكل راو ضمن هذه السلسلة بالتعزيز، واتخذنا هذا التعزيز، المطلوب شرعاً، معياراً لقياس درجة وثوقية تنقل الأخبار عبر الرواة وعبر الزمن.

وقد أكثر الإمام مالك من الرواية عن الزهري مقارنة بغيره في موطأ يحيى بن يحيى الليثي المصمودي (ت: 234 هـ)، حيث بلغت هذه الروايات اثنان وثلاثون ومائة (132) حديث، منها اثنان وتسعون (92) حديثاً مسنداً والباقي منقطعات ومرسلات. {أنظر الحافظ يوسف بن عبد البر النمري الأندلسي في: "تجريد التمهيد لما في الوطأ من المعاني والأسانيد، أو التقصي لحديث الموطأ وشيوخ الإمام مالك"، ص. 116، طبعة القدسي لسنة 1350 هـ.}

-السند الثاني (مدني) وسلسلته:

- (4) مالك بن أنس، عن (3) أبي الزناد: عبد الله بن ذكوان المدني (ت: 130 هـ)، عن (2) الأعرج: عبد الرحمن بن هرمز المدني (ت: 117 هـ)، عن أبي (1) هريرة.

ولا يروي مالك في موطأ يحيى بن يحيى الليثي سوى أربعة (4) أحاديث بهذه السلسلة.

وهذا السند ليس يقوم مقام السند الأول أو يدانيه، لأن الأعرج هو دون ابن المسيب في الوثاقة عن أبي هريرة بكثير، وأبا الزناد بدوره، هو دون ابن شهاب بمراحل كذلك.

-السند الثالث (مدني) وسلسلته:

- (4) مالك بن أنس، عن (3) إسماعيل بن أبي حكيم القرشي المدني (ت: 130 هـ)، عن (2) عَبيدة بن سفيان بن حارث الحضرمي المدني (من الطبقة الثالثة)1، عن (1) أبي هريرة2.

وهذه السلسلة متدنية في الاعتبار عن السلسلتين أعلاه، لقلة المروي بها عن أبي هريرة.

ولا يروي مالك في موطأ يحيى بن يحيى الليثي سوى أربعة (4) أحاديث، وهو نفس العدد الذي يرويه عن أبي الزناد.

-السند الرابع (يمامي - مدني) وسلسلته:

(3) يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي (ت: 132 هـ) (ما لم يرسل أو يدلس)، عن (2) أبي سلمة (عبد الله!) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني (ت: 94 هـ)، عن (1) أبي هريرة،

-السند الخامس (بصري) وسلسلته:

- (4) حماد بن زيد بن درهم الأزدي البصري (98 هـ - 179 هـ)، أو:

- (4) ابن علية: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم البصري (111 هـ - 193 هـ)،

كلاهما عن (3) أيوب بن أبي تميمة السِّختياني البصري (66 هـ - 131 هـ، عن (2) محمد بن سيرين البصري (ت: 110 هـ)3، عن (1) أبي هريرة (ما لم يختلف حماد وابن علية.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب:"العلل ومعرفة الرجال" [ جزء 1 - صفحة 351 ]

وسمعته {يعني به والده الإمام أحمد} يقول: محمد بن سيرين في أبي هريرة لا يقدم عليه أحد, قلت {عبد الله بن أحمد}: فأبو صالح ذكوان {السمان أو الزيات المدني (ت: 101 هـ) وهو ثقة ثبت} قال: محمد بن سيرين يعني فوقه وأبو صالح أكبر منه لا أقدم عليه أحدا. قلت {عبد الله}: سعيد بن المسيب ؟. قال: جميعا حسبك بهما سعيد أكبر من أبي سلمة)

وقال ابن حجر العسقلاني في: "تهذيب التهذيب" [ جزء 3 - صفحة 189 ]:

قال أبو داود {سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي (ت: 275 هـ) الحافظ صاحب السنن}: سألت {يحيى} بن معين {بن عون الغطفاني البغدادي (ت: 133 هـ) إمام الجرح والتعديل في عصره}: من كان الثبت في أبي هريرة ؟

فقال: {سعيد} بن المسيب، وأبو صالح {السمان}، وابن سيرين {تقدمت ترجمته} والمقبري {أبو سعيد: كيسان بن سعيد (ت: 100 هـ) وهو ثقة ثبت}، والأعرج {تقدمت ترجمته}، وأبو رافع {نُفيع الصائغ المدني نزيل البصرة (من الطبقة الثانية من كبار التابعين) وهو ثقة ثبت}.

وجاء في: "تهذيب الكمال" [ جزء 8 - صفحة 517 ]: .

وقال سفيان بن عيينة عن محمد بن إسحاق {بن يسار: أبو بكر المطلبي المدني نزيل العراق (ت: 150 هـ) صاحب المغازي وهو صدوق قد يدلس} قال أبو صالح {السمان}: ما أحد يحدث عن أبي هريرة الا وانا اعلم صادق هو أو كاذب..

قلت (عمراني): فحسبك أن يأتي خبر من طريق هؤلاء إلى أبي هريرة.

-السند السادس (يمني): وهو على شكل صحيفة يمنية تحتوي على 138 حديثاً بسند واحد متكرر فيها جميعها ومسلسلة كالتالي:

- (4) عبد الرزاق الصنعاني (126 هـ - 221 هـ)، عن (3) معمر بن راشد البصري نزيل اليمن (96 هـ - 154 هـ)، عن (2) همام بن منبه بن كامل اليماني (ت: 132 هـ)، عن (1) أبي هريرة.

ويروي هذه السلسلة عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر في "المصنف" كملحق تحت عنوان: {"كتاب الجامع لمعمر بن راشد"، ابتداء من صفحة 379 من مجلده العاشر إلى منتهى المجلد الحادي عشر}.

وقد أثبتنا ضعف هذا السند بتضعيف راوي الصحيفة الرئيس وهو: همام بن منبه {أنظر تفصيل ذلك على هذا الموقع في: ضعيف الصحيحين: تخريج خبر لولا حواء لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم,,,إلخ". وهذا التضعيف يطال بحده 50 خبراً أخرجها البخاري من هذه الصحيفة و 81 خبراً أخرجها مسلم منها، ما لم توجد لها متابعة من رواة آخرين ثقات إلى أبي هريرة، من غير طريق همام }

وككل الصحائف التي تروى عن الصحابة حال: صحيفة: (1) علي بن أبي طالب، و(2) صحيفة جابر بن عبد الله...وغيرهما، فهي لا تدخل ضمن الصحاح وذلك، إما لأنها وجادات5، أو لأنها مراسيل ومنقطعات.

ولا يعتمد في تخريج "الصحيح" على ما في هذه الصحائف بحال، إلا أن تأتي لأخبارها مخارج معاضدة من طرق أخرى، خارج هذه السلاسل.

ويجب التيقن في هذا السند، في حال وجود متابع لهمام في خبر من الأخبار إلى أبي هريرة، من كون الراوي عن عبد الرزاق ثقة ثبت في نفسه، وسمع من عبد الرزاق قبل اختلاط الأخير.6 لكن تبقى العبرة بخبر المتابع وليس بخبر همام في الصحيفة

التخريج

الوجه الأول:

إن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها.

أخرج هذا الوجه مسلم في صحيحه (2: 1091/ 1468)، {طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت}، فقال:

(أ) حدثنا (5) عمرو الناقد {هو عمرو بن محمد بن بكير البغدادي (232 هـ)، وهو ثقة} و(5) ابن أبي عمر {محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة (243 هـ) وهو صدوق}، واللفظ لابن أبي عمر، قالا: حدثنا:

- (4) سفيان {بن عُيَيْنة بن أبي عمران الهلالي الكوفي، ثم المكي {ت: 198 هـ) وهو ثقة مدلس تغير بآخره}، عن:

- (3) أبي الزناد {عبد الله بن ذكوان القرشي المدني (ت: 130 هـ} وهو ثقة في غير أمور السياسة}، عن:

- (2) الأعرج {عبد الرحمن بن هرمز المدني (ت: 117 هـ) وهو ثقة ثبت}، عن:

- (1) أبي هريرة {عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليمني، ثم المدني (ت: 75 هـ) وهو صحابي}، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الخبر}.

الأرقام التسلسلية هنا تدل على طبقة الراوي المعيارية.

تحوير على هذا الوجه:

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج استوصوا بالنساء خيرا.

وأخرج هذا الوجه مسلم أيضاً في صحيحه (2: 1091/ 1468) فقال:

(ب) حدثنا (6) أبو بكر بن أبي شيبة {هو عبد الله العبسي الكوفي (ت: 235 هـ)، ثقة حافظ}، حدثنا (5) حسين بن علي {بن الوليد الجعفي الكوفي (203 هـ)، ثقة}، عن:

- (4) زائدة {بن قدامة الثقفي الكوفي (ت: 161 هـ)، ثقة ثبت}، عن:

- (3) ميسرة {بن عمار الأشجعي الكوفي (السادسة )، ثقة}، عن:

- (2) أبي حازم {سلمان مولى عزة الأشجعي الكوفي (ت: 101 هـ)، ثقة}، عن:

- (1) أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: {الخبر}.

وأخرج البخاري متابعاً لأبي بكر بن أبي شيبة في حسين بن علي فقال في صحيحه (3: 1212/ 3153) {طبعة دار ابن كثير، ط. ثالثة 1407 هـ، بعناية د/مصطفى ديب البغا، بيروت}:

(ت) حدثنا (6) أبو كريب، و(6) وموسى بن حزام {الترمذي نزيل بلخ (ت: ما بعد 250 هـ)، ثقة}، قالا: حدثنا (5) حسين بن علي، عن:

- (4) زائدة،...{الخبر بتمامه}.

وأخرج البخاري متابعاً آخر في صحيحه (5: 1987/4890) فقال:

(ث) حدثنا (6) إسحاق بن نصر {هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري (ت: 242 هـ)، ثقة}، حدثنا (5) حسين الجعفي، عن:

- (4) زائدة،...{الخبر بتمامه}.

الوجه الثاني:

المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج.

أخرجه البخاري في صحيحه (5: 1987/4889) فقال:

(ج) حدثنا (5) عبد العزيز بن عبد الله {بن يحي بن عمرو بن أويس القرشي المدني (كبارالطبقة العاشرة) وهو ثقة}، قال: حدثني:

- (4) مالك {بن أنس الأصبحي الحميري المدني (ت: 179 هـ) الإمام الثقة}، عن:

- (3) أبي الزناد، عن (2) الأعرج، عن (1) أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {الخبر}.

لاحظ:

أولاً: الاختلاف على أبي الزناد في الرواية (أ) من طريق سفيان بن عيينة عن الأخير، وفي الرواية (ج) من طريق مالك بن أنس عن الأخير أيضاً!

وثانيا: تعارض صيغة الوجه الأول، الذي لا يدخل ضمن أوثق الأسانيد إلى أبي هريرة، مع صيغة الوجه الثاني، الذي ورد بثاني أوثق سند إلى أبي هريرة!

فالصيغة الأولى: تشبِّه المرأة بالضلع من جهة اعوجاجه،

والصيغة الثانية: تقول بأن المرأة خُلقت أصلاً من ضلع!.

والبون شاسع ما بين أن تشبه المرأة مجازياً بضلع، وبين أن تقول بأنها خلقت من ضلع على الحقيقة!

وبديهي أن هذا الخبر، لو صح سنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لورد بأحد الوجهين، مقتصراً عليه، دون الآخر، مادام الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن ينطق بهما معاً في مجلس واحد!

- و"الضِّلْعُ" و"الضِّلَعُ" لغتان: وتعنيان : "محنية الجنب"، أو" مُعوجة" وهي مؤنثة وجمعها: أضْلُـعٌ، وأضَالِعُ، وضُلوعٌ وأضْلاعٌ.

- و"الضَّلَعُ"، بالتحريك، تعني "الاعوجاج خِلْقة". ويكون في المشي من المَيْل.

- ورمحٌ أو سيْفٌ "ضَلِعٌ"، يعني: "مُعْوَجٌّ لم يُقَوّم".

ومنه قول الشاعر ابن شميل:

وقَدْ يَحْمِلُ السّيْفَ المُجَرّبَ رَبُّه|على ضّلَع في مَتْنِه، وهو قاطعُ

- وقولك: لأقيمنّ ضَلَعَك، أي اعوجاجَك.

- وتسمي العرب "القَوْس": "ضَليعاً"، لاعوجاجه.

وهي معاني متحققة في قول الشاعر: حاجب بن ذُبْيان:

بني الضِّلَع العوجاء، أنت مقيمها|ألا إن تقويم الضلوع انكسارها

والشاعر: يزيد بن زياد بن ربيعة الحميري الملقب بابن مفرغ (ت: 69 هـ/688 م):

ورمقتها فوجدتها|كالضلع، ليس لها استقامة

وهنا ينطرح سؤال وجيه:

ترى! هل هذا الخلف النّصي في الوجهين مرده إلى أبي هريرة رأساً، الذي يمكن أن يكون قد روى الخبر على الوجهين، أو إلى الرواة عنه؟

الفصل في هذا الأمر يتطلب منها تشغيل بطاريتنا النقدية المتعددة التخصصات.

نلاحظ بادئ ذي بدء أن الذين رووا هذا الخبر عن أبي هريرة كُثُر، وبالتالي فالعمل بالترجيح التقليدي، بمقارنة مخارج الطرق بعضها مع بعض وترجيح السند الأوثق على الأقل وثاقة يرجح الصيغة التي وردت بالتشبيه للمرأة للضلع على الصيغة التي تقول بخلقها أصلاً من ضلع

فنستطيع مثلاً، بإعمال هذا النوع من الترجيح بالرواة، أن نقول بأن رواية الإمام مالك بن أنس في الطريق (ج) عن أبي الزناد، وهو ثاني أوثق سند مدني إلى أبي هريرة، أرجح من رواية سفيان بن عيينة في الطريق (أ) عن أبي الزناد، لأن الإمام مالك أضبط بكثير من سفيان!

وبالتالي فرواية مالك التي تشبه المرأة بالضلع أرجح من رواية سفيان التي تقول بأنها خلقت منها!

لكن، يبقى أن هذا النوع من الحجاج ( وهو وحده ما كان متوفراً للمحدثين قبل اكتشافنا للمعيار)، لجاجي وشقاقي وغير حاسم على ما أسلفنا، مادام الأوثق قد يزل أحياناً والأقل ضبطاً قد يصيب أحيانا أخرى..

ومن أجل الخروج بنتيجة موضوعية نطمئن إليها، فسنعاضد هذا الترجيح بالأوثق بمقايسة الأخبار بالمعيار العدلي، لموضوعيته الرياضياتية ولشموليته.

وقد تطلب منا تخريج كل طرق هذا الخبر إلى أبي هريرة خمس ألواح تزامنية ولوحين آخرين وردا بذات الخبر عن كل من: عائشة أم المؤمنين، وأبي ذر الغفاري رضي الله عنهما.

ونتيجة التحليل هي كالآتي:

اللوح رقم 1، يبين انتشار رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عبر الزمن.

هذا الطريق يقول: بأن "المرأة كالضلع"، ودرجة وثوقية الخبر العدلية إلى أبي هريرة تساوي 25 %.

لاحظ في اللوح رقم 2: أن الطرق (1)، و(2)، و(3) التي تقول بان" المرأة خلقت من ضلع"، كلها ضعيفة. وبالتالي فدرجة وثوقية الخبر المعيارية هنا تساوي صفراً، بينما تصل درجة وثوقية النقل المعيارية من طريق ابن عجلان، التي تقول بأن "المرأة كالضلع" سقف 25 % إلى أبي هريرة.

اللوح رقم 3: الذي يرويه أبو الزناد ويقول بأن "المرأة خُلِقت من ضلع" تبلغ درجة وثوقية النقل فيه إلى أبي هريرة حاجز 25 %.

اللوح رقم 4: "المرأة كالضلع" الذي يرويه كيسان المقبري عن أبي هريرة لا يصح، لوجود مضعّفَيْن في السند. فالعيار النقلي يساوي صفراً.

اللوح رقم 5: ومتنه "النساء خلقن من ضلع" الذي يرويه أبو حازم عن أبي هريرة تبلغ درجة وثوقيته المعيار إلى أبي هريرة 6.25 %.

إعمال التعزيز:

- بإعمال التعزيز، نجد أن درجة وثوقية نقل الخبر: "المرأة كالضلع" الذي رواه ابن عجلان وسعيد بن المسيب معاً عن أبي هريرة، تساوي: 50 %،

- بينما تبلغ درجة وثوقية نقل الخبر: "المرأة خلقت من ضلع" الذي رواه أبو الزناد وأبو حازم بالتعزيز عن أبي هريرة، حاجز 31.25 %،

فيغلب على الظن إذن أن أبا هريرة، قال بخبر: "المرأة كالضلع"، لأنه على حافة الوثوقية الاحتمالية الأدنى وهي 50 %.

لكن، إن كان يغلب على ظننا صدور خبر: "المرأة كالضلع" عن أبي هريرة، فإننا في المقابل لا يمكن أن نجزم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم حدث فعلاً بهذا الخبر، إلا أن يعاضد أبا هريرة صحابي آخر نقل نفس الخبر.

خصوصاً وأن لهذا الخبر تعلق بالإسرائيليات، وهو مقتل في كل أخبار أبي هريرة الماتحة من هذا المصدر.

فنحتاج إذن إلى صحابي آخر يشهد لأبي هريرة على هذا المخرج.

وقد عثرنا على روايتين، عن كل من عائشة أم المؤمنين وأبي ذر الغفاري رضي الله عنهما.

اللوح رقم 6: يمثل التحليل التزامني للرواية المعزوة إلى عائشة أم المؤمنين في "المرأة كالضلع". ويتبين من هذا التحليل ضعف كل الطرق الأربعة إلى عائشة، لكون كل واحدة منها اختص بروايتها إما ضعيف أو متروك هالك!

اللوح رقم 7: : يمثل التحليل التزامني للرواية المعزوة إلى أبي ذر. وهي مضطربة ووردت بالوجهين: "المرأة كالضلع"، و"المرأة خلقت من ضلع"، تماماً كما لاحظنا في الأخبار المنقولة عن أبي هريرة، إلا أنها لا يصح منها ولا طريق يمكن اعتماده.

النتيجة:

- نقطع بان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتلفظ قط بخبر: "المرأة خلقت من ضلع"، وأقصى ما يمكن أن نقر به، اعتماداً على تفرد أبي هريرة بخبر: "المرأة كالضلع"، دون مشاركة له فيه من أحد من الصحابة، هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم، ربما قال بهذا في حق المرأة، أي: أنه شبهها بالضلع، لطفاً بها، وليس تنقيصاً منها، كي تعامل باللطف المطلوب حتى لا تنتكس أو تكسر بعسف!

- لكن، هذا الاحتمال نفسه تتكافأ فيه الأدلة، مادامت درجة وثوقية النقل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لا تتعدى حاجز 50 %، لتفرد أبي هريرة وحده بروايته. وبالتالي فلا يمكننا البث في هذا الاحتمال بجزم، مادام يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون قال بهذا في حق المرأة، كما يحتمل أنه لم يقل بخصوصها شيئاً أصلاً في هذا المعنى.

ثم هناك احتمال آخر وارد هنا، وإن كان ضئيل الدرجة (31.25 %)، في أن يكون أبو هريرة قد قال بخبر: "المرأة خلقت من ضلع" متحاً من الإسرائيليات، لسماعه للخبر من كعب الأحبار أو غيره، فرواه الرواة عن أبي هريرة، وكأنه من في الرسول صلى الله عليه وسلم!.

وهو احتمال وارد في كل ما يتفرد به أبو هريرة، ويكون له تعلق بالإسرائيليات، كما في هذا الخبر الذي نحن بصدده. وفي حال الشك في إسرائيلية الخبر، لعدم العثور على مقابل للمتن في المصادر اليهودية فيجب التثبت مما ورد عن كعب الأحبار أو همام بن منبه، لأنهما قد يقولان بأشياء من عندهما. {أنظر ما قلناه بهذا الصدد في "ضعيف الصحيحين" في خبري: "لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم"، و"خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً" وكلاهما من صحيفة همام بن منبه وكذلك: ردنا على البوهندي صاحب كتاب: "أكثر أبو هريرة" على موقعنا هنا}

الهامش:

1 قال ابن سعد: كان شيخاً قليل الحديث. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. قلت: لم يخرج له البخاري شيئاً في صحيحه وله حديث واحد عند مسلم وطرفه: "يحرم كل ذي ناب من السباع". أنظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" (7: 77/183).

2 قال الحافظ ابن شاهين: إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان: هذا من أثبت إسناد أهل المدينة. أنظر: "ثقات ابن شاهين"، ص. 50/8.

3 كان أيوب يقول: {إنه ليعز عليّ أن أسمع لمحمد (بن سيرين) حديثاً لم أسمعه عنه}. أورده الحافظ أبو يوسف، يعقوب بن سفيان بن جوّان الفارسي الفسوي (ت: 277 هـ) في كتاب: "المعرفة والتاريخ" (2: 237، و240)، ط. أولى: 1394 هـ/1947 م، بعناية الدكتور أكرم ضياء العمري، مطبعة الإرشاد، بغداد.

4 لأن الحفاظ وجدوا أنهما قد اختلفا في حديث واحد رفعه حماد بن زيد وأوقفه ابن علية. أنظر الباجي في: "التعديل والتجريح" (1: 279).

5 الوجادة في علم المصطلح: كتاب تروى فيه أحاديث لراو معين، كالنسخ التي ينتسخها الوراقون مثلا، والتي يرويها من وجدها، دون أن يكون قد أخذها عن صاحبها سماعاً أو قراها عليه فأجازها له.

6 قال الإمام أحمد: إنه (أي عبد الرزاق) عمي في آخر عمره وكان يلقن فيتلقن، فسماع من سمع منه بعد العمى لا شي.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق