10
الجمعة, نيسان
0 مواد جديدة

هل خلقت المرأة من ضلع عوجاء ؟
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

هل خلقت المرأة من ضلع عوجاء ؟ (الحلقة الأولى)

العلم وأساطير التراثية اليهودية

كان لعامل الكشوفات العلمية، المخالفة كل المخالفة، لما ورد في نصوص الكتاب المقدس، أثره المدمر البالغ على إيمان المؤمنين من يهود ومسيحيين. ويظهر جلياً لكل متصفح للكتاب المقدس أن أكثر المخالفات إنما جاءت في سفر "التكوين" من كتاب "التوراة"، ولها تعلق ببداية الخلق، والمراحل التي مر منها.

والملفت في هذا السفر الذي لم يسلم من التحريف أمران:

فهو يروي قصتين مختلفتين لصدور الخليقة وليس قصة واحدة!

ثم هو يورد القصتين معاً الواحدة تلو الأخرى بدون تنبيه، أو توطئة، أو مقدمات!.

أ) خواص القصة الأولى

وردت هذه القصة في سفر "التكوين" (1: 1 – 31). وهي قصة كهنوتية (نسبة إلى جماعة الكهنوت الذين جمعوا الكتب الخمسة ل "التوراة" في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح عليه السلام في فترة السبي البابلي وأعادوا صياغتها وأضافوا إليها)

وهذه القصة ترتب الخليقة بحسب أيام الخلق على الشكل التالي:

  • اليوم الأول: خلق السماء والأرض والنور.
  • اليوم الثاني: خلق مياه البحر ومياه السماء.
  • اليوم الثالث: خلق النبات.
  • اليوم الرابع: خلق الشمس والقمر والنجوم.
  • اليوم الخامس: خلق الحيتان والسمك والطيور والحيوانات البرية والزواحف والحشرات،
  • اليوم السادس: خلق آدم وحواء في نفس الوقت!

والقصة بهذا الترتيب مليئة بالمفارقات:

أولاً: أن النص يقول بأنه كان هناك "مساء" ثم كان هناك "صباح" في كل يوم من هذه "الأيام"، قبل أن تُخلق الشمس في اليوم الرابع!،

ثانياً: أن النبات وُجِد قبل وجود الشمس!. والشمس، بحسب معارفنا الحالية، أساسية للنبات في حصوله على الطاقته من خلال التمثيل الضوئي!

ثالثاً: أن اسم الخالق يرد في هذا النص باسم "الآلهة" (إيلوهيم) (ُElohim) العبرية، بالتكثير!، وليس "الله" بالمفرد، أو ضمير التعظيم "نحن"، على غرار ما يستعمل القرآن!.

رابعاً: القول بخلق آدم وزوجه متزامنين في لحظة واحدة، وعلى صورة الخالق نفسه! (تعالى الله عما يصفون)، بحسب ما ورد في {سفر التكوين (1: 26-27)}:

قال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا!، شبيهاً بنا!، ولتكن لهم السيطرة على سمك البحر، وطير الهواء، والماشية، وعلى الأرض، وعلى كل الأشياء التي تزحف فوقها.

وهكذا خلق الله آدم على صورته، على صورة الله! خلقه ذكراً وأنثى!.

وهذا التصور التشبيهي والتجسيمي للإنسان على صورة الخالق، أو للخالق على صورة الإنسان، ترد به نصوص كثيرة في العهد القديم. {أنظر مثلا: سفر التكوين: (3: 8)، سفر الخروج (24: 10 - 11)، وسفر العدد (12: 8)، ومزمور داود (139: 10)، وسفر أرميا (7: 13)، وسفر هوشع (11: 8)،..وغيرها}.

هذا التشبيه الحرفي الفج، ليس مختصاً بجهلة العامة فحسب، بل هو المقرر لدى الأحبار من خلال مثل هذه النصوص.

بل الأنكى هو أن تنتقل مثل هذه التراثية من هذا المصدر الإسرائيلي إلى التراثية الإسلامية بالوضع على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لم يتلفظ بمثلها قط! {أنظر تخريجتنا لهذه الأخبار على هذا الموقع في "المختبر الحديثي"}.

ميكائيل أنجلوولن تتورع الكنيسة بدورها، الوارثة لمثل هذه النصوص، في تبني مثل هذا الفهم السطحي الخاطئ، عندما شجعت بعض الرسامين الكبار ومولت رسوماتهم الأيقونية التي ستزخرف بها كنائسها، حال الصورة إلى اليسار، التي تظهر ما تخيله النحات والرسام الإيطالي الشهير ميكائيل أنجيلو بوناروتي (1475 م – 1564) لربه على صورة إنسان إيطالي!

البابا جوليوس الثاني
البابا جوليوس الثاني
وقد تبنى البابا جول الثاني أعمال ميكائيل أنجيلو، وهو الذي كلفه بتزيين كنيس القديس بطرس بروما بمثل هذه الصورة!

وقد أطلق النقاد على النصوص التي يرد فيها اسم الخالق باسم: "إلوهيم" بـ "النصوص الإلوهية". وهذه النصوص ترجع أقدم أصولها إلى الفترة (900 – 750 ق. م) وتعبر عن تراثية شمال فلسطين أو "إفرايم" (Ephraim).

ب) خواص القصة الثانية

وردت هذه القصة في سفر "التكوين" (2: 1 – 24) مباشرة بعد القصة الأولى، مما دفع بالإمام ابن حزم الأندلسي {أنظر كتابنا: "مدرسة ابن حزم الأوروبية في النقدية التاريخية للكتب المقدسة: رسالة في التسامح"، غير مطبوع وتوجد منه مقتطفات على هذا الموقع} إلى اتهام كتبة "التوراة" ب "المؤرخين الرديئين" في كتابه "الفصال"، وهو ما سيعيد اكتشافه أصحاب النقدية التاريخية في الغرب بعده بقرون!.

وتترتب مراحل صدور الخليقة في هذا النص على الشكل التالي:

  • الأرض والسماوات كانتا عبارة عن عماء رطب.
  • وجود آدم حياً فوق أرض جرداء ليس بها نبات ولا حيوان!
  • خلق النبات في جنة أرضية في الشرق أطلق عليها النص اسم "جنة عدن"، وليست سماوية!
  • خروج أربعة أنهر من هذه الجنة الأرضية وهي: "نهر سيحون" الذي يمر على أراضي "هابيلة"، حيث الذهب، والجزع (المرمر أو العقيق اليماني)...، و"نهر جيحون" الذي يمر بأرض كوش و"نهر دجلة" و"نهر الفرات".
  • خلق الحيوانات والطيور،...بعد آدم عليه السلام.
  • خلق حواء من ضلع آدم.

وقد لوحظ في نص هذه القصة الثانية، وفي نصوص أخرى مماثلة، أن اسم الخالق يرد عبرياً بالأحرف الأربعة غير المحركة: "ي. هـ. و.هـ" (YHWH). وهو اسم الرب الأعظم غير المنطوق لدى العبريين تعظيما وتبجيلا لهً. وسوف يحركه المسيحيون الجاهلون بهذه الخلفية العبرية لينطقوه محركا على شكل: (يهوه) (Jehovah).

وقد أطلق النقاد المعاصرون على هذه النصوص اسم "النصوص اليَهْوِية"، نسبة إلى هذا الاسم بالذات.

وتعود أقدم أصول هذه النصوص التي استعملها جامع هذا السفر إلى فترة "مملكة يهودا" (في حدود 950 ق. م.). ونص هذه القصة كالنص في القصة الأولى مُعاد الحبك، بما يخدم غرض المؤلفين ثم الناشرين للنصين، بحسب متطلبات أزمانهم، وليس بحسب ما ورد في النصوص الأصلية!.

وتوجد مفارقات كثيرة في هذا النص نخص بالذكر منها:

1) مفارقات الجغرافيا مثل:

- أن "جنة عدن" الواردة هنا، جنة أرضية وليست سماوية. ويتضح من وصفها التوراتي أنها كانت تقع ما بين هضبة الأناضول بتركيا والعراق الحاليين!. وهذه مخالفة صريحة لما ورد في سورة البقرة:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ ﴿35﴾ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴿36﴾

التي تقرر أن الجنة كانت ولا زالت في السماء، وقد أهبط آدم وزوجه منها، بعد عصيانهما لأمر ربهما.

- و"كوش" في سفر "التكوين" (10: 6-8)، هو بكر حام بن نوح وأب نمرود. وقد سميت البلاد التي سكنها بعض نسل "كوش" باسمه، وهي تمثل جنوب مصر أو الحبشة. ويطلق اسم "كوش" أحياناً على كل إفريقيا.

- والأنهار الأربعة: "سيحون" و"جيحون" و"دجلة" و"الفرات"، لها منابع مختلفة بالأراضي الأرمينية والتركية، على عكس ما يقول به النص من كونها تفرعت جميعها من نهر واحد!.

وقد ورد في بعض النصوص التراثية اليهودية نهرا: "الغانج" بالهند، و"النيل" بمصر، بدل "سيحون" و"جيحون"!

2) مفارقة حيوية:

وتتمثل في الإجابة على السؤال المتبادر: كيف أمكن لآدم أن يعيش في أرض خلاء جرداء لا نبت فيها!؟

3) إشكالية خلق المرأة من ضلع آدم:

ذلك، أن وقائع هذه القصة "اليهوية"، زيادة على مخالفتها لوقائع القصة "الإلوهية" جملة وتفصيلاً، تتفرد أيضاً بالقول بخلق زوج آدم من إحدى ضلعيه، بحسب ما جاء في "سفر التكوين" (3: 21):

وأنزل الله على آدم نُعاساً عميقاً. وأثناء نومه أخذ إحدى ضلْعَيه وملأ مكانها لحماً. ومن هذه الضلع التي أخذها الله من آدم صنع امرأة وحملها إلى آدم.

4) مفارقة إغوائية:

جاء في هذه القصة {سفر التكوين (3: 1)}:

ثم، إن "الحيّة" (الثعبان) كانت أدهى كل المخلوقات التي خلقها الله، فقالت للمرأة (حواء):

- هل نهاكما الله من الأكل من أية شجرة من شجر الجنة ؟

فقالت المرأة للحية:

- نستطيع أن نأكل من ثمار شجر الجنة، لكن قال الله: لا تأكلا من ثمار الشجرة الموجودة في وسط الجنة، ولا يقربها أحدكما وإلا مات...

نقش سومري قديم
نقش سومري قديم
قلت: وقد كشفت حفريات العراق، أن قصة "آدم" و"زوجه"، لها جذور قديمة في منطقة حضارة واد الرافدين، حيث عُثر على نقش سومري قديم، تظهر فيه امرأة حاسرة الرأس تمد يدها لقطف ثمار شجرة نخل، بينما تقف حية من ورائها.

والحضارة السومرية (3000 ق. م)، كما هو معلوم، سابقة بكثير عن إنزال "التوراة" زمن موسى عليه السلام (القرن الثالث عشر قبل الميلاد).

ثم إن القول بأن "الشجرة" التي أكل منها آدم وزوجه، الشائعة بين العوام، هي "شجرة تفاح"، لا أصل لها في "التوراة"!

وقد عثر أيضاً على لوح سومري نقشت عليه قصيدة سومرية تشبه كثيراً ما ورد بالمدونة التوراتية بخصوص مكان الجنة الأرضية، التي تجعلها القصة السومرية في "دلمون". وقد عين بعض الخبراء "دلمون" هذه، في الجهة الجنوبية الغربية من "بلاد فارس".

بل إن "عدن" نفسها، تُنطق في اللغة السومرية: "إدينو" (Edinu). وهو ذات الاسم بإبدال العين بالألف. وهو إبدال مألوف في لغات المنطقة.

ويظهر من كل هذا التطابق التفصيلي، الذي لا يمكن أن يكون من باب وقع الحافر على الحافر، أن مؤلف أو مؤلفي النص اليهوي من سفر التكوين، زيادة على وقوعه (وقوعهم) في أخطاء قاتلة من جهة ترتيب مراحل نشأة الخليقة، ووقوعه (وقوعهم) في أخطاء جغرافية صبيانية، متح (متحوا) أيضاً لنسج حبكة القصة من مصادر عراقية قديمة، علم بها اليهود أثناء تواجدهم بالعراق أثناء السبي البابلي لهم.

هل تزوج آدم امرأة أخرى:

ورد في التراثية اليهودية، خارج التوراة، نص يقول:

أعطى الله آدم من أجل إيناسه في وحدته زوجاً اسمها: "ليليت" (Lilith)، وكانت قد خلقت مثله من تراب، إلا أنها لم تمكث معه سوى لفترة قصيرة، لأنها أصرت على المساواة مع زوجها، لأصلها المطابق لأصله. وذات يوم، ومن أجل التحرر من إصر آدم، نطقت ب "الإسم الأعظم" فتبخرت في الهواء. فاشتكى أدم لربه، بأن الزوجة التي أعطاها إياه هجرته، فأرسل الله ثلاثة من الملائكة للبحث عنها (وكأن الله لا يعلم!!) فوجدوها في البحر الأحمر، فقبضوا عليها وهددوها، إن هي لم ترجع لآدم، فسيكون مآلها أن يموت لها كل يوم مائة من أبنائها العفاريت، إلا أنها قبلت بهذا الثمن بدل أن تعيش مع آدم.

لكن في المقابل، أنتقمت لنفسها بإيذاء المواليد الذكور في أول ليلة من حياتهم، بينما ظلت الإناث تحت تأثيرها إلى بلوغهن سن الحادية والعشرين. والطريقة الوحيدة لتجنب شرها هو تعليق "تمائم" تحمل اسماء الملائكة الثلاثة الذين قبضوا عليها. فهذا هو الاتفاق الذي تم بينها وبينهم!.

قلت: ولا شك أن من يستطيع أن يحبك مثل هذه الخرافة، لا يمتنع عليه حبك أي شيء آخر!

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق