زوبعة فنجانية انقلبت إلى إعصار مداري:
فتوى اقتناء السكن الربوي في المغرب والمهاجر نموذجا
بسم الله الرحمن الرحيم
بين يدي الزوبعة
أثناء تواجدي بمدينة مونتريال الكندية في ربيع سنة 1420 هـ/ 2000 م صدرت فتوى من "المجمع الفقهي الأول بأمريكا الشمالية"، لها تعلق بشراء المسكن بسلف ربوي.
وكان قد سبق هذا الجمع تجمع على الصعيد الأوروبي لذات الغرض.
وبينما أجاز الفتوى الأوروبية غالبية الحضور المشاركين، فقد نكص عنها في الاجتماع المنعقد بأمريكا نصف الحضور وأجازتها غالبية بسيطة بفارق ثلاثة أصوات فقط!.
وقد حصل لغط بين المؤيدين والمعارضين لهذه الفتوى، لم يستطع المقيم والمهاجر المسلم في ديار المهجر تبين الصواب أو الخطأ لدى الفريقين!، لينزلق النقاش متدحرجاً بأهم ممثليه الوازنين إلى حلبة الجرائد المهجرية وغيرها وهو ما زاد من سكب الزيت على النّار بدل إطفائها ليبقى المسلم المهجري على حر جمره!.
هالني يومها ما رشح من زبد لغسيل الثياب بين الفريقين بخصوص الكيفية التي تم بها التصديق على الفتوى، على طريقة جمهوريات الموز، مما لا يشرف الفقه ولا الحضور، ولا ينسجم قطعاً مع روح الإفتاء ولا مع متطلبات التحقيق والتدقيق في مثل هذه النوازل والقوارع!
وبعد تفكر في الأمر وتدبر في العواقب استقر العزم على الدخول على الخط، من باب فروض العين التي لا تترك عذراً لصاحبها ليتملص من واجب المسؤولية، ويكتفي بلعب دور الشيطان الأخرس الذي يجيد تقمصه الكثير ممن ارتموا على هذا الحقل في وقتنا الحاضر، حال أسلاف لهم كثير في الماضي الغابر، وقصدي المعلن إنقاد الحقل من ثلاثة آفات قاتلات فيها حتفه لا قدر الله:
أ) تقادم الحصيلة المعرفية: وأمثل لها بمهندس معاصر، متضلع في المحركات البخارية مثل القاطرات والبواخر وما شابه. أو في "الصمامات الثلاثية الزجاجية المفرغة" (Vacuum Tube Triodes) (الصورة)..إلخ. إذ بالرغم من كون هذه المعرفة كانت ذات قيمة وشأن في عصر سابق، إلا أنها لن تفيد صاحبها من قطمير في عصرنا الحاضر. وهذا مثال أبلج لعلم لا ينفع. فما بالك أن ينضاف إلى هذه الخصلة القاتلة في أغلب الأحيان، على ما اثبتت التجربة، قلب لا يخشع !
ب) تكلس المناهج المستعملة في الاستنباط: ففي حين لجأ الفقهاء القدماء إلى آلية القياس بصورها المختلفة، وطوروا مباحث العلة،.... لإيجاد الأحكام الجديدة، ولقي هذا المنحى استحساناً لدى غالبية الفقهاء، حتى وإن حاربه بعضهم بضراوة كأصحاب الظاهر، إلا أن مثل هذه الآليات لن ينتفع بها المجتهد المعاصر في استنباطاته، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بالاجتهاد في نمط الأنظمة السياسة الممكنة المتساوقة مع نظرية الحكم في الإسلام، أو في إيجاد حلول عملية للمشاكل الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو في مباحث الحريات العامة والخاصة، أو في "التنمية البشرية"، أو في "الإسكان"،...إلخ. فكل هذه المحاور لا يمكن أن تعالج اليوم من منظورية "الأحكام السلطانية" كما تطورت عند علي بن محمد الماوردي (ت: 450 هـ)، أو أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت: 478 هـ) في: "غياث الأمم في التيات الظلم" وما شابهها من أشباه الحلول التي ليست بحلول وزخرت بها كتب" "نصائح الملوك". فهذه كلها أفكار بنات وقتها وزمانها أكل عليها الدهر وشرب ولا تصلح للعصر الحاضر.
ت) الخوف من أن يستفحل أمر الجمود الذي تعاني منه المؤسسات الفقهية، إلى بلوغ نقطة اللا رجعة، حيث يصبح متعذراً على الفقهاء، بحكم التكوين بالاقتيات على هذه المجترات المتحجرات، أن يعاد تأهيلهم معرفياً ليتواصلوا مع معاصريهم.
فهذه محاذير قاتلة، لأن الفقيه المؤطر بها سيرى فيها على انفراد أو مجتمعة، نذير شؤم!. سيدفعه لا محالة إلى العمل ما وسعه الجهد، للوقوف ضد تيار التغيير أو المراجعة للحقل !
وهذا هو اجتهاده الفعلي ويمثل صيرورة قاهرة يصعب الخروج منها.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فقد صادف وجدودي بديار المهجر صدور فتوى أخرى من نفس الجهة حول " امتلاك السكن بواسطة القروض البنكية الربوية "، فعجبت لمن خاضوا فيها من منطلقات المجتمع الزراعي الحِرفي للقرن الثالث الهجري وحاولوا إسقاط ذلك على المجتمع الصناعي المعاصر في ديار المهجر من خلال ثنائية: دار الإسلام/ دار الحرب!، بينما لا تنطبق هذه الثنائية على الواقع في بلاد المهجر لا من خلال واقعها المعاش ولا دساتيرها المؤسسة!.
فأن يخطأ الفقيه المفتي حتى في توصيف الظواهر وتشخيصها، فهذا عيب ما فوقه عيب بإطلاق لمن يروم التنزيل على هذه الظواهر بالذات !
ولكي أوفي مطلب البحث حقه، فسوف أقوم بادئ ذي بدء باستعراض الإشكال وما يكتنفه من ملابسات بطول نفس من جهة التوثيق التاريخي، مستوفياً لشروط الاستقصاء والسبر، ومحاولاً إحاطة المسلم غير المتخصص بالموضوع من كل جوانبه، وأن أجعله يلم بشتات المعضلات وبشواردها المرتبطة بها قبل أن أغوص به بعمق في إشكالاتها النصية، والتاريخية، والفقهية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعقائدية،... وإلى طبقاتها الجيولوجية الأعمق غوراً، أو قِدماً، كي يلمس بنفسه، وبطريق مباشر، مادام الأمر يهم كل مسلم بالأساس، حقيقة الإشكال في مثل هذه النوازل القوارع، والتي وإن كانت على غير مثل كي تقاس عليه، بل وغير مسبوقة من جهة التنزيل، لتفتق برنامج الوجود بأمثالها باستمرار ضمن صيرورته الأزلية، إلا أنها بالنسبة للفقيه المخضرم المتعدد التخصصات، تظل متوقعة تماماً من جهة الصيرورة التاريخية للإشكال الذي تمثله أو تندرج تحته، وبالتالي تظل قابلة دوماً للحل وللتنزيل الأنف على ما تتنزل عليه، لا تتعداه إلى غيره، ولأستعرض معه كيف تأصلت الإشكالية في السابق، قبل أن أنتقل به إلى واجهة التنزيل العملي على المجتمع المعاصر، مقترحاً على القارئ الحل الذي يتماشى مع نبض العصر ويتساوقً في نفس الوقت مع ضوابط الشرع. وهو مقصود كل مجتهد.
وقد كنت شرعت في كتابة مسودة حول الموضوع على نار دافئة وأنا لا زلت مقيماً بمدينة مونتريال، وحاولت إتمامها عند رجوعي إلى البلد مباشرة، إلا أن مهاماً أخرى عارضة طرأت فشغلتني عن إتمامها لتظل تنتظر على رف الذاكرة، كغيرها من المعاوص، دورها في المعالجة، إلى أن حملت إلي الأخبار انبعاث الفتوى مجدداً من تحت رمادها في شهر شعبان 1427 هـ / سبتمبر 2006 م، على لسان الشيخ القرضاوي نفسه الذي أفتى المغاربة بها قياساً لهم على مسلمي"المهاجر".
وهو ما أحدث ردة فعل قوية من طرف المجلس العلمي المغربي المعين، وضجة إعلامية مدوية تردد رجع صداها لفترة غير وجيزة في الإعلام المحلي والإسلامي، حيث اختلط فيها الحابل بالنابل، وامتزج فيها الجانب الفقهي الصرف بالجانب السياسوي الضيق الأفق، والجانب الموضوعي العلمي بالجانب الديماغوجي المفتعل، لتقوم قيامة الجميع، كل بحسب منطلقه وهواه، وفي تشنج فوعي خارج عن طور اللياقة في النقاش، فيما يشبه زوبعة لا تبقي ولا تذر، مع أن الإشكال ابتدأ في الأصل دوامة صغيرة وهادئة في فنجان الشيخ القرضاوي، وهو متكئ على أريكته المريحة جداً في دولة قطر، والذي لم يكن ليخطر بباله، وهو يخلط في فنجانه الفتوى المهجرية بالفتوى المغربية، على ما اعتاد كثيراً في مثل هذه الأمور، التي يؤاخذه عليها غير واحد في بلد المنشأ نفسه، زيادة على سلفيي الحجاز الذين تخصصوا في تتبع هفواته، ومن يسلم ؟، ليعددوا عليه من الأخطاء المنهجية، ما كان يجب أن ينزه نفسه من السقوط في مثلها، إلا ليظل مع ذلك سادراً في سعيه وقناة الجزيرة تروج لأفكاره دون سواه فيما يشبه مونولوج مكرور،....بينما علم الأرصاد وديناميكا الغازات والمائعات، التي ليست للشيخ القرضاوي بتخصص، تقول:
إن رفرفة واحدة بجناحي بعوضة فوق دولة قطر بالخليج يمكن أن تحدث دوامة صغيرة، لن تفتا تكبر وتكبر... لتؤدي في النهاية إلى تساقط أمطار طوفانية في دولة المغرب عند السواحل الشرقية للمحيط الأطلسي!
وهو ما حصل !
ولولاه ما كان لهذا البحث أن يرى النور.
فلنشرع إذن في توثيق هذه المسألة من خلال ما عُرض على الناس منها، كي يجدها قارئ هذا البحث تحت الطلب عند الحاجة إليها ضمن الإحالات، نظراً لكون الاكتفاء بالعزو إليها في مصادرها الأصلية فحسب، قد لا يفي بالغرض، لإمكانية انمحاء هذه المراجع الإلكترونية من مصادرها بعد فترة وجيزة.
