المختبر الحديثي: إنه لا يحار لدينا السائلون في خبر "الكساء"
1) الرواية المنسوبة إلى عبد الله بن عباس
1.1) رواية عمرو بن ميمون عن عبد الله بن عباس
أخرج هذه الرواية أبو بكر القطيعي في مسند أحمد (مسند بني هاشم) (1: 330/3062)، أو برقم العالمية: 2903 فقال:
{1} حدثنا (VII) عبد الله {بن أحمد بن حنبل (ت:297 هـ) وهو ثقة}،حدثنا (VI) أبي { أحمد بن حنبل الشيباني البغدادي (ت: 241 هـ) الإمام الحافظ الثقة}، حدثنا (V) يحيى بن حماد {بن أبي زياد الشيباني البصري (ت: 215 هـ) وهو ثقة}، حدثنا:
- (IV) أبو عوانة { وضاح بن عبد الله اليشكري البصري (ت: 176 هـ) وهو ثقة}، حدثنا (III) أبو بلج {يحيى بن سليم الفزاري البصري الكوفي (صغرى الأتباع). قال البخاري: فيه نظر. وقال ابن حبان: كان يخطئ ووثقه آخرون}، حدثنا (II) عمرو بن ميمون {الأودي الكوفي (ت: 74 هـ) وهو ثقة يرسل ويغرب} قال:
إني لجالس إلى (I )ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا:الخبر المنسوب إلى عبد اللـه بن عباسيا أبن عباس إما أن تقوم معنا وإما أن يخلونا هؤلاء.
قال: فقال ابن عباس: بل أقوم معكم.
- قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى قال: فابتدءوا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا.
- قال: فجاء (يعني ابن عباس) ينفض ثوبه ويقول:
أف وتف وقعوا في رجل له عشر. وقعوا في رجل قال له النبي صلى اللهم عليه وسلم:
1 لأبعثن رجلا لا يخزيه الله أبدا يحب الله ورسوله قال فاستشرف لها من استشرف قال أين علي قالوا هو في الرحل يطحن قال وما كان أحدكم ليطحن قال فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر قال فنفث في عينيه ثم هز الراية ثلاثا فأعطاها إياه فجاء بصفية بنت حيي قال ثم بعث فلانا بسورة التوبة فبعث عليا خلفه فأخذها منه قال لا يذهب بها إلا رجل مني وأنا منه.
قال: وقال (الرسول) لبني عمه: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة قال وعلي معه جالس فأبوا فقال علي أنا أواليك في الدنيا والآخرة قال أنت وليي في الدنيا والآخرة قال فتركه ثم أقبل على رجل منهم فقال أيكم يواليني في الدنيا والآخرة فأبوا قال فقال علي أنا أواليك في الدنيا والآخرة فقال أنت وليي في الدنيا والآخرة.
قال: وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة.
قال: وأخذ رسول الله صلى اللهم عليه وسلم ثوبه فوضعه على:
علي وفاطمة وحسن وحسين فقال:
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
قال: وشرى علي نفسه لبس ثوب النبي صلى اللهم عليه وسلم ثم نام مكانه قال وكان المشركون يرمون رسول الله صلى اللهم عليه وسلم فجاء أبو بكر وعلي نائم قال وأبو بكر يحسب أنه نبي الله قال فقال يا نبي الله قال: فقال له علي: إن نبي الله صلى اللهم عليه وسلم قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه. قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار قال وجعل علي يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبي الله وهو يتضور قد لف رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح ثم كشف عن رأسه فقالوا: إنك للئيم كان صاحبك نرميه فلا يتضور وأنت تتضور وقد استنكرنا ذلك.
قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك قال: فقال له علي: أخرج معك. قال: فقال له نبي الله: لا فبكى علي فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنك لست بنبي إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي.
قال: وقال له رسول الله: أنت وليي في كل مؤمن بعدي.
وقال: سدوا أبواب المسجد غير باب علي فقال فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره.
قال: وقال (الرسول): من كنت مولاه فإن مولاه علي.
قال: وأخبرنا الله عز وجل في القرآن أنه قد رضي عنهم عن أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم. هل حدثنا أنه سخط عليهم بعد؟ قال: وقال نبي الله صلى اللهم عليه وسلم لعمر حين قال ائذن لي فلأضرب عنقه قال: أو كنت فاعلا وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم.
وأخرجها الحاكم في "المستدرك" (3: 143/4652) من طريق القطيعي أعلاه فقال:
{2} أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي ببغداد من أصل كتابه، حدثنا (VII) عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني (VI) أبي،...{الخبر بتمامه}. أي انه نسخ رواية المسند.
وقال الحاكم عقبه:
هذا حديث صحيح الإسناد!!! ولم يخرجاه بهذا السياق
قلت:
ومنه يتبين لك نمط ما يصحح ويستدرك به الحاكم النيسابوري على الشيخين!
وأخرج النسائي في "السنن الكبرى" (5: 112-113/8409) متابعاً لعبد الله بن أحمد بن حنبل في يحيى بن حماد فقال:
{3} أخبرنا (VI) محمد بن المثنى {بن عبيد بن قيس بن دينار العنَزي البصري المعروف بالزمن (167 هـ - 252 هـ ) وهو ثقة ثبت}، قال: حدثنا (V) يحيى بن حماد، قال: حدثنا:
(IV) الوضاح وهو: أبو عوانة، قال: حدثنا (III) يحيى {بن سليم: أبو بلج}، قال: حدثنا (II) عمرو بن ميمون، قال: إني لجالس إلى (I) ابن عباس..{الخبر}.
قلت: وهذا هو الطريق الأول الذي ورد في سؤالكم.
وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل متابعاً ليحيى بن حماد في أبي عوانة فقال:
{4} حدثنا (V) أبو مالك: كثير بن يحيى {بن كثير البصري (ت: ؟). صدوق يتشيع وصاحب مناكير}، قال حدثنا:
- (IV) أبو عوانة، عن (III) أبي بلج، عن (II) عمرو بن ميمون، عن(I) ابن عباس نحوه.
وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (5: 496/6958) في ترجمة أبي مالك:
كثير بن يحيى بن كثير: شيعي نهى عباس العنبري الناس عن الأخذ عنه. وقال الأزدي: عنده مناكير ثم ساق له عن أبي عوانة عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه:
سمعت عليا يقول: ولي أبو بكر رضي الله عنه وكنت أحق الناس بالخلافة!
قلت (الذهبي): هذا موضوع على أبي عوانة ولم أعرف من حدث به عن كثير.
قلت ونقل ابن حجر في "لسان الميزان" (4: 484/1525) كلام الذهبي هذا بحذافيره وأضاف:
وقد روى عنه عبد الله بن أحمد وأبو زرعة {الرازي} وغيرهما. قال أبو حاتم {الرازي}: محله الصدق وكان يتشيع. وقال أبو زرعة: صدوق وذكره بن حبان في الثقات. فلعل الآفة ممن بعده.
قلت: الآفة فعلاً وبالجزم ليست منه، بالرغم من تشيعه، مادام قد توبع في أبي عوانة.
وأخرجها عبد الله بن أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" (2: 682/1171) بهذا الإسناد.
وأخرج الطبراني في "الأوسط" (3: 165/2815 ) متابعاً لعبد الله بن أحمد بن حنبل في أبي مالك فقال:
{5} حدثنا (VI)إبراهيم {بن هاشم بن الحسين بن هاشم: أبو إسحاق البيع المعروف بالبغوى (ت: 207 هـ - 297 هـ) وهو ثقة} ، قال: حدثنا (V)كثير بن يحيى أبو مالك، قال: حدثنا:
- (IV) أبو عوانة، عن (III) أبي بلج عن (II) عمرو بن ميمون عن (I) ابن عباس،...{الخبر}.
وأخرجها الطبراني بهذا السند أيضاً في "المعجم الكبير" (12: 97/12593) فقال:
حدثنا (VI)إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا (V)كثير بن يحيى، حثنا: ...{الخبر بتمامه}.
قلت: هذا الخبر يعاني من آفات نذكر منها:
- 1) الإفراد
فقد تفرد بهذا الخبر أبو عوانة عن أبي بلج، و تفرد به الأخير عن عمرو بن ميمون، و تفرد به الأخير عن عبد الله بن عباس، مع أن لابن عباس رواة كثر!
- 2) الإغراب
الراوي المخضرم: عمرو بن ميمون ممن يغرب في الأخبار.
قال البخاري في "التاريخ الكبير" (6: 367/2659) {طبعة دار الفكر بتحقيق السيد هاشم الندوي: قال نعيم بن حماد، حدثنا هشيم، عن أبي بلج وحصين، عن عمرو بن ميمون قال:
رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم!
قلت: وهذا يعني، وبغض النظر عن لا معقولية هذه الخرافة، أن عمرو بن ميمون (ت: 74 هـ) مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام. وهو ما كان بوسعنا التحقق منه بإيجاد "المعادلة الرياضياتية الشخصية الافتراضية لعمرو" التي تحدد زمن ولادته من خلال شيوخه وتلامذته {أنظر كتابنا: "الهندسة الحديثية" لم يطبع بعد}، لولا أن الرجل مشهور بالإرسال! مما يعوص مثل هذه المهمة!
فعمرو هذا إشكالي إذن، وبالتالي فهو ممن يستوجب سبر مروياته استقصاء للحكم عليه مجدداً من خلالها كما فعلنا مع روايات مصعب بن أبي شيبة {أنظر إجابة الحيران على هذا الموقع}.
- 3) الاختلاف في أبي بلج
أبو بلج الذي عليه مدار هذا الخبر مختلف فيه فقد ورد عن ابن معين توثيقه في رواية وتضعيفه في أخرى بينما ضعفه البخاري وقال فيه: فيه نظر! وهي جملة مهذبة يستعملها البخاري في وصف الضعفاء عنده. ثم هو ليس من رجالات البخاري ولا مسلم في صحيحهما وإنما روى له أصحاب السنن الأربعة.
قلت: فإن صحت رواية توثيق يحيى بن معين البغدادي (158 هـ - 233 هـ) لأبي بلج1 فهو توثيق بعدي وليس عن معاصرة أو احتكاك بأبي بلج، لأن ابن معين لم يدرك أبا بلج.
وكذلك هو حال محمد بن إسماعيل البخاري (194 هـ - 256 هـ) الذي جاء بعد ابن معين في تضعيفه. ومنه يتبين أن توثيق أو تضعيف أبي بلج إنما جاء بحسب مروياته وليس بحسب شخصه العياني.
وحيث أن البخاري متأخر في الزمن عن شيخه ابن معين فهو قد علم ولا شك بحكم ابن معين في أبي بلج. ونصادف هنا احتمالين:
- أن يكون البخاري وافق ابن معين في تضعيف أبي بلج في القول الأول، وهذا الحكم لا يضيف جديداً ويدخل في عداد تحصيل الحاصل أو:
- أن يكون حكم البخاري مخالف لابن معين في توثيق أبي بلج بحسب ما جاء في الرواية الثانية عن ابن معين. وفي هذه الحال فإن في حكم البخاري زيادة معلومية ربما تكون قد غابت عن ابن معين.
وكيفما كان الحال فالرجل صاحب مناكير وهو ما يرجح حكم البخاري في الرجل.
قال الذهبي في ترجمة أبي بلج في: "ميزان الاعتدال" (7: 189/9547) {ط. أولى: 1995، دار الكتب العلمية، بيروت}:
يحيى بن سليم، أو أبي سليم: أبو بلج الفزاري الواسطي، عن: عمرو بن ميمون الأودي، و محمد بن حاطب الجمحي، وعنه: شعبة، وهشيم.
وثقه ابن معين، و محمد بن سعد، والنسائي، والدارقطني. وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وقال يزيد بن هارون: رأيته كان يذكر الله كثيرا.
وقال البخاري: فيه نظر!
وقال أحمد: روى حديثا منكراً. وقال ابن حبان: كان يخطئ وقال: ثقة.
قلت (عمراني): وقال فيه أبو إسحاق: إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (ت: 259 هـ) في: "أحوال الرجال" (1: 117/190) {ط. أولى: 1405 هـ بعناية: صبحي البدري السامرائي، مؤسسة الرسالة، بيروت:
أبو بلج: - يعني - يحيى بن أبي سليم الواسطي كان يروج الفواخت ليس بثقة
والجوزجاني فيه تحامل على الشيعة، لكن وافق حكمه هنا حكم البخاري.
وأضاف الذهبي:
(من رواياته:)
أبو عوانة، عن أبي بلج، عن محمد بن حاطب {الجمحي}، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الفصل ما بين الحلال والحرام الصوت وضرب الدف
قلت (عمراني): وهذا الخبر أخرجه الترمذي في "السنن" (3: 398/1099)، والنسائي في: "السنن الكبرى" (3: 331/5562)، والحاكم النيسابوري في "المستدرك" (2: 201/2750)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7: 289/14471) وغيرهم.
وأضاف الذهبي:
ومن مناكيره:
عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم:
أمر بسد الأبواب إلا باب علي رضي الله عنه
رواه أبو عوانة عنه، ويروي عن شعبة عنه.
قلت (عمراني): وقد أخرجه النسائي في: "السنن الكبرى" (5: 119/8427)، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (215 هـ - 292 هـ) في "المسند" (3: 368/1169) {ط. أولى: 1409 هـ، مؤسسة علوم القرآن، بيروت والمدينة}.
ومن بلاياه:
الفسوي في تاريخة: حدثنا بندار عن أبي داود، عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن عمرو أنه قال:
ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد!
وهذا منكر!
قال ثابت البناني: سألت الحسن عن هذا فأنكره!
قلت (عمراني): وهذه الرواية أوردها أبو بكر البزار في "المسند" (6: 442/2478) وكذلك أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (277 هـ -365 هـ) في "الكامل في ضعفاء الرجال" (7: 229/2128) {ط. ثالثة، 1409 هـ/1988 م، دار الفكر، بيروت}.
قلت (عمراني):
ومن شذوذه واضطرابه في مخالفة من هم أوثق منه
ما رواه النسائي "السنن الكبرى" (6: 7/9841) وفي: "عمل اليوم والليلة" (1: 140/13). قال النسائي:
أخبرني إبراهيم بن الحسن {بن الهيثم الخثعمي المِصِّيصي (الحادية عشرة) وهو ثقة}، قال حدثنا حجاج {بن محمد الترمذي، ثم البغدادي، ثم المصيصي الأعور (ت: 206 هـ) وهو ثقة ثبت تغير بآخِره}، قال أخبرني شعبة {بن الحجاج العتكي الواسطي ثم البصري (ت: 160 هـ) وهو ثقة متقن}، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة {عبد الرحمن بن صخر الدوسي (19 ق. هـ. – 59 هـ) الصحابي} ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
ألا أعلمك كلمة من كنز من تحت (العرش): لا حول ولا قوة إلا بالله. يقول أسلم عبدي واستسلم.
وأخرج الإمام أحمد في المسند متابعين للحجاج في شعبة فقال في "المسند" برقم العالمية 7624:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ {غندر البصري (ت: 194 هـ) وهو أوثق الرواة عن شعبة}، وَهَاشِمٌ {بن القاسم بن مسلم الليثي: أبوالنضر البغدادي الملقب بقيصر (ت: 207 هـ) وهو ثقة ثبت}، قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَلْجٍ قَالَ هَاشِمٌ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ {أبو بلج}، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
أَلا أُعَلِّمُكَ
قَالَ هَاشِم:ٌ
أَفَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ: لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللَّهِ. يَقُولُ أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ
وأخرج الحاكم النيسابوري في "المستدرك" (1: 71/54) متابعاً آخر في شعبة فقال:
أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي بهمدان، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة {ح}
وأخبرني الحسين بن علي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر {غندر}، حدثنا شعبة عن:
يحيى بن أبي سليم {أبي بلج} قال: سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
ألا أعلمك أو قال: ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله فيقول الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم.
وقال الحاكم عقبه على عادته في استدراكاته الهشة على الشيخين: البخاري ومسلم:
هذا حديث صحيح ولا يحفظ له علة! ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بيحيى بن أبي سليم
قلت: المآخذ على الحاكم في تطويحاته هذه عدة:
- فقوله: صحيح!: يبين لك مرة أخرى نوع الخردة التي يصححها ويستدرك بها الحاكم على الشيخين!.
- وقوله: لا يحفظ له علة!: بين التهافت من خلال ما وقفنا عليه منها
- وقوله: ولم يخرجاه!: غريب لأنه ليس على شرط البخاري أولاً مادام الأخير قد ضعفه صراحة بقوله فيه: فيه نظر. ثم التزم بحكمه عليه فلم يخرج له شيئاً في الصحيح.
- وقوله: وقد احتج مسلم بأبي بلج!: ظاهر الغثاثة لأنه ليس من رجاله في الصحيح.
وقال النسائي بعده في:"عمل اليوم والليلة" (1: 140/14):
خالفه (يعني أبا بلج} محمد بن السائب فرواه عن عمرو بن ميمون عن أبي ذر.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد {أبو يحيى المقرئ المكي (ت: 256 هـ) وهو ثقة}، قال: حدثنا سفيان {بن عيينة بن أبي عمران الهلالي الكوفي ثم المكي (ت: 198 هـ) وهو ثقة قد يدلس}، عن محمد بن السائب {بن بركة المكي (السادسة) وهو ثقة وثقه ابن معين وأبو داود والنسائي}، عن عمرو بن ميمون، عن أبي ذر {الغفاري (ت: 32 هـ) الصحابي} قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
- ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟
- قلت: بلى!
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذه الرواية أخرجها النسائي في: "السنن الكبرى" (6: 7/9841).
وقال:أبو محمد: عبد الرحمن بن أبي حاتم: محمد بن إدريس بن مهران الرازي (240 هـ - 327 هـ) في "العلل" (2: 169/2000) {نشر دار المعرفة، بعناية محب الدين الخطيب، بيروت 1405 هـ}:
سألت أبي وأبا زرعة {الرازي} عن حديث رواه شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في:
لا حول ولا قوة إلا بالله
قال أبو محمد (ابن أبي حاتم): ورواه ابن عيينه، عن محمد بن السائب بن بركة { المكي (السادسة) وهو ثقة وثقه ابن معين وأبو داود والنسائي }، عن عمرو بن ميمون، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت لهما:
أيهما أصح؟
قال أبي: حديث ابن عيينة أصح
وقال أبو زرعة: عن أبي هريرة غامض!
قلت فأيهما أصح؟
قال: في هذا نظر!
وجاء في "علل الدارقطني" (6: 255/1114):
وسئل (يعني الدارقطني) عن حديث عمرو بن ميمون، عن أبي ذر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله
فقال:
حدث به محمد بن السائب بن بركة {المكي (السادسة) وهو ثقة}، عن عمرو بن ميمون، عن أبي ذر،
واختلف عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو { بن العاص (7 ق. هـ - 65 هـ) الصحابي}،
ورواه شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن أبي هريرة
والله أعلم بالصواب.
وهذه اللاأدرية عند الدارقطني ستتغير ليقول لاحقاً في: "علل الدارقطني" (8: 326/1597):
وسئل (الدارقطني) عن حديث عمرو بن ميمون عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله
فقال: اختلف فيه على عمرو بن ميمون:
فرواه: شعبة، وزهير، وسويد بن عبد العزيز، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة،
ورواه: حاتم بن أبي صغيرة {(مسلم) أبو يونس القشيري البصري (الطبقة السادسة) وهو ثقة}، عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو {بن العاص (7 ق. هـ - 65 هـ) الصحابي}،
ورواه: محمد بن السائب بن بركة { المكي (السادسة) وهو ثقة}، عن عمرو بن ميمون، عن أبي ذر.
قلت: لا حظ:
- أولاً: أن الرواة عن أبي بلج في (أ) و(ب) كلهم ثقات عدول ومع ذلك اختلفت روايتهم عن أبي بلج!،
- وثانياً: أن الرواية (ت) تبرئ ساحة عمرو بن ميمون، من هذا الاختلاف وتلزق الاضطراب في السند لزاماً بأبي بلج.
وقال الإمام البخاري (194 هـ - 256 هـ) في "التاريخ الكبير" (1: 100/280) {طبعة دار الفكر بعناية السيد هاشم الندوي} في ترجمة محمد بن السائب:
محمد بن السائب بن بركة في المكيين روى عنه بن جريج، قال لنا الحميدي (شيخ البخاري وهو ثقة): حدثنا ابن عيينة، قال حدثنا2 محمد {بن السائب}، سمع عمرو بن ميمون، سمع أبا ذر قال: النبي صلى الله عليه وسلم:
لا حول ولا قوة الا بالله كنز من كنوز الجنة
وقال شعبة: عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم،
وقال سويد بن عبد العزيز، عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم،
(وقال البخاري): والأول أشبه (يعني رواية أبي ذر).
وهو حكم سبق به البخاري كلاً من: أبي حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني ووافقوه عليه.
قلت: ومن ظلمات ما روى أبو بلج ولم تنقشع سدوفه سوى في عصرنا:
ما أخرجه أبو بكر محمد بن هارون الروياني (ت: 307 هـ) في "المسند" (1: 337/514) ط. أولى: 1416 هـ، مؤسسة قرطبة، القاهرة} حيث قال:
حدثنا نصر بن علي {بن أصبهان بن أبي الأزدي الجهضمي البصري الكبير (ت: 250 هـ} وهو ثقة}، حدثنا أزهر {بن سعد السمّان: أبو بكر الباهلي البصري (112 هـ - 203 هـ) وهو ثقة}، عن حاتم بن أبي صغيرة: {(مسلم) أبو يونس القشيري البصري (الطبقة السادسة) وهو ثقة}، حدثنا أبو بلج عن أبي بكر {عمرو} بن أبي موسى الأشعري الكوفي (ت: 106 هـ) قال ابن سعد يستضعف ووثقه العجلي} قال:
ذكر الطاعون (عند) أبي موسى {عبد الله بن قيس بن سليم بن حضّار الأشعري (ت: 50 هـ) وهو صحابي} فقال: سألنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
وخز أعدائكم من الجن!! وهو لكم شهادة
وهو ما نعلم يقيناً بطلانه اليوم بما تكشف لنا من علم.
مسك الختام:
وحيث أن أبا بلج ليس من رجالات البخاري ولا مسلم في الصحيح، وكونه صاحب مناكير، فليس هو بكل تأكيد، ممن يعتمد على رواياته إذا تفرد كما هو حاله هنا في رواية الكساء عن ابن عباس،
وهو حكم أبي حاتم: محمد بن حبان البستي (ت: 354 هـ) فيه في كتابه: "المجروحين" (3: 113/1197)، طبعة دار الوعي بحلب، بعناية: محمود إبراهيم زايد} حيث قال في ترجمة أبي بلج:
يحيى بن أبي سليم: أبو بلج الفزاري: من أهل الكوفة وقد قيل إنه واسطي يروي عن محمد بن حاطب وعمرو بن ميمون روى عنه شعبة وهشيم.
كان ممن يخطئ. لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك ولا أتى منه ما لا ينفك البشر عنه فيسلك به مسلك العدول فأرى: أن:
لا يحتج بما انفرد من الرواية
وهو ممن أستخير الله فيه!... (انتهى كلام أبي حاتم).
قلت: أضف إلى هذا، أن متن هذا الخبر بالذات مردود بإحدى قواعد رد المتون في المنهجية الحديثية، لأن منطوق الخبر يتماهى مع منتحل أبي بلج في تشيع.
فالخبر يقع تحت طائلة: القاعدتين: رقم 8، ورقم 14 من قواعد رد الأخبار اللتين أوردناهما ضمن قواعد رد المتون في كتابنا المطبوع: "كيف يرد الخطأ على المفتين الكبار رواية ودراية لعدم إلمامهم بالعلم: الشيخ ابن باز والشيخ العثيمين نموذجا": ص. 16 وهي كالتالي:
1. ألا يخالف المتن صريح محكم القرآن، أو محكم السنة، أو المعلوم من الدين بالضرورة،
2. ألا يكون مخالفاً للمشاهدة والحس،
3. ألا يكون مخالفاً لما ثبت من قوانين الطبيعة وسننها في الكون والخلائق،
4. ألا يكون ركيك اللفظ، بحيث لا يقوله فصيح أو بليغ، يليق بما هو منتظر من جوامع كلم الرسول صلى الله عليه وسلم،
5. ألا يكون منافياً لبديهيات العقول ولأيّ دليل مقطوع به،
6. ألا يكون مخالفاً للبدهي من الطب،
7. ألا يكون داعياً إلى رذيلة يتبرأ منها الشرع،
8. ألا يوافق الراوي الداعية إلى مذهبه فيما يتمذهب به ويتعصب له،
9. ألا يشتمل على سخافات وسفاسف يترفع عنها العقلاء،
10. الا يخالف الوقائع التاريخية المتواترة عن عصر النبوة، أو ما ثبت من وقائع تاريخية من خلال علم الحفريات،
11. ألا يخبر عن الأمر العظيم الذي يشهده الكافة بخبر متفرد يرويه راو واحد،
12. ألا يكون مخالفاً للمعقول في صفات الله ورسله في أصول العقيدة المبنية على نصوص محكمة،
13. ألا يرد بالثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغة في الوعيد على الأمر الحقير،
14. ألا يكون للراوي بواعث نفسية تحمله على روايته،
15. ألا يكون من موروثات الحضارات الغابرة العقائدية أو الفلسفية....
ثم ليلحظ القارئ أخيراً: أنه حتى لو تسامحنا مع الرجل وغضضنا الطرف عن كل هذه المآخذ جملة، فهذا السند يظل مع ذلك ضعيف المخرج لا تقوم به حجة في مثل هذه الأمور، مادامت درجة وثوقيته الاحتمالية في النقل على السلم المعزز المعيار لا تتجاوز حاجز 6.25 % إلى عبد الله بن عباس. وذلك لتفرد الخبر في كل الطبقات ابتداء من طبقة أبي بلج وإلى طبقة ابن عباس.
وبهذا تمت الإجابة عن تساؤلكم الأول يومه السبت 18 شعبان 1425 هـ/2 تشرين أول (أكتوبر) 2004 م على الساعة الواحدة والنصف صباحاً بتوقيت مدينة الرباط (غرينيتش) وأرسل إلى الموقع لتوه.
محمد عمراني حنشي
الهامش:
1 في كتاب "التاريخ ليحيى بن معين" برواية عباس الدوري (2: 698/1755) لم يورد فيه جرحاً ولا تعديلا واكتفى بالقول: أبو بلج الأكبر هو الذي يروي عن محمد بن حاطب.
2 وقع التصريح بسماع ابن عيينة (وهو مدلس) من محمد بن السائب وهو ما يجبر انقطاع هذه الرواية في العنعنة.
1) الرواية المنسوبة إلى عبد الله بن عباس
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode
