الصفحة 1 من 2
1) مطلب خطة تصفية العنصر الديني وعزله وتهميشه
أ) الجذور التاريخية والعقدية
هذا المطلب في الحقيقة جاء مع الاستعمار الفرنسي بالذات، وكون قطب رحاه وعصا رحاله وترحاله، انطلاقا من خلفيته النرجسية تجاه الكنيسة وتصرفاتها الفجة حيال شعوب أوروبا العصر الوسيط. تصرفات تجرع منها المسلمون والأوروبيون عامة ما نغص معايشهم لقرون، وإن كان النصيب الأوفر من العنت سيلحق بمسلمي الأندلس: "الموريسكيون" ومسلمي المجر خاصة، الذين لم تكتف الكنيسة بتنصيرهم قهرا، ولا بحرقهم أحياء فوق خوازيقها ومشاعلها الجهنمية، بل عمدت إلى طردهم من أوروبا قاطبة كحل نهائي!
الاستعمار الفرنسي قدم المغرب وهو موشوم بهذه الذاكرة، زيادة على نعرته المتأصلة في "التمركز حول الذات"، ونفي المخالف وإقصائه واستعماره، حتى وهو يلوح بشعاراته البراقة والخداعة من شاكلة: "الإنسانية العالمية!" و "حقوق الإنسان"! والثالوث الطوباوي!: "حرية – إخاء – مساواة"، إلا ليتصرف على نقيضيهما تماما وفي كل مرة!.
ومثل جامع "الأزهر" في ذاكرة الاستعمار الفرنسي، ذلك الصرح الذي قاوم بشراسة، تلم المبادىء الفرنسية التي لوح لهم بها نابليون يوم احتلاله لمصر، ليكتشفوا على أرض الواقع ومن خلال الممارسة اليومية لجيش الاحتلال أنه استعمار محض، حتى وهو يحاول استنفار مخزون الخرافة بادعائه أمامهم بأنه "المهدي المنتظر"، الذي جاء ليخلصهم من حكم المماليك!، إلا ليكتشفوا مجددا أن حبل الدجل قصير!.
والذي بقي عالقا في ذاكرة المصريين وإلى يوم الناس هذا، وكذاكرة لاتبلى ولا تمحى، هو أن الفرنسيين منذ أن وطأت أقدامهم أرض مصر وإلى خروجهم منها منهزمين، ما انفكوا وبجنون وسعار منقطعي النظير، يسوغون لأنفسهم قتل خمسة أو ستة من المصريين الأحرار مع طلعة كل شمس، فقط ليرهبوا المصريين كي لا يثوروا على ثورتهم التي لم يروا هم فيها سوى الاستعمار الفج! والذي سيكون أساس حكم المغاربة عليه كذلك بعد قرن.
هذه المفارقة، حملها المارشال ليوطي (Lyautey) معه في ذاكرته يوم أن حاول بدوره التعامل مع الآسلام والقرويين الحاملة لشعلته ونبراسه في ديار المغاربة.
فإذا كان كل من عبد الكريم الخطابي الريفي، أو علال الفاسي، أو المولى عبد الحفيظ، أو تقي الدين الهلالي الفيلالي، أو المختار السوسي.. ألخ. تخرجوا كلهم من القرويين وأشربوا مناهجها ولم يمنعهم ذلك، كل حسب اجتهاده، لا من التفاعل ولا من التواصل مع عصرهم فيما جد واستجد، فإننا في المقابل سنجد نخبة أخرى، خريجة المدارس الاستعمارية، ستكون رأس الحربة لتمرير أفكار المعمر حتى بعد خروج فيالق المعمر العسكرية بزمن طويل.
وبخصوص هذه النخبة الأخيرة، فسوف نجد انقساما أمام إحدى ثمرات المؤسسة الاستعمارية في أبهى تجلياتها، مبهرجة ومتبرجة ومتعددة التمظهر والتقمصات على عادة ما يقوم به الفيروس الثقافي، الحامل للبرنامج الاستعماري الصليبي في كل شموليته، كبذرة قابلة للغرس والانتشار من خلال ما برمج له، حتى وهي تظن أنها بمنأى أو بمعزل عن تمثيل مثل هذا الدور أو لعب مثل تلك اللعبة القذرة!. وللتنشئة هنا منطقها الطابع والغالب على كل تطبع كما حلل ذلك ابن خلدون في أجداد هؤلاء ومنذ القرن الثامن الهجري بمقولته المأثورة:
في أن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده!
وسنجد مصداق هذا التحليل يسري على هذه النماذج بميكانيكية ورتابة نمطيتين!