صناعة الفقه (6): التقويم السلفي لابن تيمية
1) الاجتهاد وضريبة العلم
يبتدئ سجل معاناة ابن تيمية رحمه الله مع معاصريه بفتواه الأولى، بخصوص سؤال ورد إليه من مدينة حماة السورية سنة 698 هـ حول "صفات الله تعالى" جاء فيه:
ما قول العلماء أئمة الدين أحسن الله إليهم أجمعين في آيات الصفات كقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى( (سورة طه، الآية 5) وقوله: (ثم استوى على العرش( (سورة فصلت، الآية 11) إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات أيضاً كقوله صلى الله عليه وسلم ( إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن) وقوله: (يضع الجبار قدمه في النار) إلى غير ذلك وما قالت العلماء فيه، وليبسطوا القول في ذلك مأجورين غن شاء الله تعالى}.
قلت وهو ما سيعرف بـ "العقيدة الحموية الكبرى": ومثل هذا السؤال ومرتبط بموضوعه سؤال ورد عليه "في إثبات الصفات والجزم بإثبات العلوم.1
فأجاب فيها بما أداه إليه اجتهاده ودليله، بما يخالف عقيدة الأشعري2 في الموضوع، فشنع عليه المقلدة وسعوا به إلى السلطان الذي أصدر مرسوماً يمنعه من التدريس.
لكن، ومع اقتراب جيوش التتار من دمشق، استعطفه نائب السلطان عليها وأمراؤها في أن يذهب إلى مصر ويستحث السلطان "الناصر" على النهوض لمناجزة التتار قبل أن يناجزوهم. فأجابهم إلى طلبهم وشد رحاله إلى الناصر وكلمه في ذلك، إلى أن استجاب له بتجريد العساكر إلى الشام.
ولم يكتف ابن تيمية رحمه الله بوعظ الجيش واستنفاره، بل شارك في الحرب وباشر القتال بنفسه مستنهضاً لهمم المجاهدين وحاثاً لهم على الصبر، ومبشراً لهم بالنصر، إلى أن تحقق للمسلمين الانتصار في وقعة "شقحب" جنوب دمشق سنة 702 هـ3.
وشجعه هذا الانتصار سنة 704 هـ/1305 م على مهاجمة سكان جبل كسروان من: نصارى وإسماعيلية ونصيرية وحاكمية4 الذين كانوا عيوناً وجواسيس للصليبيين والتتار على المسلمين5.
وفي سنة 705 هـ ورد مرسوم من سلطان مصر يدعو نائبه على دمشق لامتحان معتقده في القول ب "التجسيم". فاجتمع الفقهاء من المذاهب الأربعة وعقدوا له عدة مجالس يمتحنون فيها معتقده. ثم استدعي إلى مصر، وعقد له مقلدة المذاهب خمسة مجالس بحضرة السلطان، انتهت بهم إلى اتهامه مجدداً بالقول ب "التجسيم" فحكم عليه وعلى أخويه: عبد الله، وعبد الرحمن بالسجن في قلعة الجبل فمكثوا به سنة ونصف. ثم أفرج عنهم وعقدت له مناظرة أخرى معهم دون طائل!.
بل لم يمض على خروجه من السجن سنة 707 هـ بضعة شهور، حتى صوب سهام نقديته إلى المتصوف الغنوصي ابن عربي الحاتمي في قوله ب "وحدة الوجود"6 بعد أن تبين له فساد معتقده فيه. وكان ابن عربي في أعين مريديه، من غفلتهم وقلة بضاعتهم مقارنة ببضاعته، وقلة معرفتهم بحاله وبمصادره، يسلكونه في غمار "الأولياء!" حتى أنهم كانوا يطلقون عليه، تعظيماً له!، اسم: "الشيخ الأكبر!". فسعى بابن تيمية أعداؤه القدماء والجدد إلى السلطان، الذي لم يجد بداً من تسفيره على البريد إلى دمشق، ثم ليعيده منها وليسجنه بسجن القضاة.
ثم نقل إلى الإسكندرية وسجن في برج القلعة لثمانية أشهر أخرى إلى أن أخرجه السلطان الناصر قلاوون سنة 709 هـ عندما تم له استرجاع سلطانه بعد فترة خلعه الثانية (708 هـ- 709 هـ)، فأكرمه إكراماً بلبغاً واستشاره في الانتقام من مناوئيه إلا أنه ترفع عن ذلك رحمه الله.
ثم قفل راجعاً إلى دمشق، وما أن استقر به المقام حتى أفتى مجدداً سنة 712 هـ بأن من تلفظ بالطلاق الثلاث دفعة واحدة، فهو بمثابة تطليقة واحدة، وأن من حلف بالطلاق فتجب عليه الكفارة لا غير.
فأقام قيامة الفقهاء المقلدة المتعيشين من هذه المهنة، فسعوا به إلى السلطان مجدداً لمنعه من الإفتاء. فتم حبسه في 22 رجب سنة 720 هـ لمدة تزيد على خمسة أشهر.
وبعد خروجه من السجن، انفجرت في وجهه فتواه القديمة في "شد الرحال إلى المساجد الثلاث"7، التي ظلت تغلي على نار دافئة، ليشغب عليه الفقهاء من أجلها وليدخل السجن مرة أخرى سنة 726 هـ.
وسيبالغ مناوئوه في الإضرار به، إلى أن منعوا عليه الورق والمداد الذي يكتب به، لينقطع عن الكتابة، وليوافيه أجله المحتوم في سجنه في العاشر من المحرم سنة 728 هـ رحمه الله.
قلت: ومحنة الإمام ابن تيمية (ت: 728 هـ)، وإن كان فيها بعض شبه بمحنة الإمام أحمد (ت: 241 هـ) من بعض الوجوه8، إلا أنها تختلف عنها نوعاً وكيفاً من وجوه أخرى:
أولاها: أن الإمام أحمد عاصر أوج الدولة العباسية، بينما جاء ابن تيمية ومؤسسة الخلافة صورية وفي قعر انحطاطها.
ثانيها: قد خلا عصر الإمام أحمد من المقولات الفلسفية التي لم تترجم أمهات كتبها بعد، وكذلك من المقولات الصوفية التي كانت لا تزال تعيش طورها الزهدي، الذي مثّل الإمام أحمد وكوكبة من المحدثين الخراسانيين بعض أبرز رموزه بامتياز. ولن يشهد تراث الأمم الفلسفي كبير عناية به مترجماً، سوى في عصر أحمد نفسه على يد المأمون، الذي بنى "دار الجكمة" للترجمة لهذا الغرض.
بل وحتى مصطلح "الصوفي"، وإن ظهر في القرن الثاني الهجري في البيئة العراقية، إلا أن بيئة الحجاز لم تعرفه قبل هذا التاريخ.
فلم يعرفه محمد الباقر (ت: 114 هـ) ولا ابنه جعفر الصادق (ت: 148 هـ) ، ولا الإمام مالك بن أنس (ت: 179 هـ).
قال القمي9:
عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الجبار، عن الإمام الحسن العسكري أنه قال: سئل أبو عبد الله، جعفر (الصادف) (ت: 148 هـ) بن محمد (البافر) (ت: 114 هـ) عن حال أبي هاشم الكوفي الصوفي؟ فقال: إنه فاسد العقيدة جداً، وهو الذي ابتدع مذهباً يقال له "التصوف" وجعله مقراً لعقيدته الخبيثة
قلت: ولن يمر وقت وجيز حتى تصبح الجعفرية لاهجة بهذا الدخيل ما لهجت به الفرق المحسوبة على السنة، حتى وجدنا صاحب كتاب "نهج البلاغة" (1: 19) ينسب إلى الصوفية انتسابهم لعلي كرم الله وجهه فيما ابتدعوه من خرقة! كأمثال الشبلي، والجنيد البغدادي، والسري السقطي، والبسطامي، وأبي معروف الكرخي،...إلخ. ليسرد مقاماتهم وأقوالهم في: التوبة، والتقوى، والزهد، والورع،...ضمن أحوال العارفين!!10.
أما مالك، فقد وصفهم بـ "المجانين" حين قالوا له بأنهم يصعقون عند سماع القرآن!، وستنتشر هذه البلية في عصر الإمام أحمد نفسه وما بعده، لتعم به البلوى في كل العالم الإسلامي.
وفي هذا المجال، فقد عاصر الإمام أحمد الحارث بن أسد المحاسبي (170 هـ - 243 هـ) صاحب "آداب النفوس"، والرعاية لحقوق الله"، و"الوصايا"، و"رسالة في التصوف" وغيرها، والذي شارك الإمام أحمد في انتقاد المعتزلة11، وأبي عبيد محمد بن حسان البُسري (ت: 245 هـ)، وأبي الفيض ذي النون ثوبان المصري (180 هـ - 245 هـ) وهو غنوصي كيميائي من أصحاب حجر الإكسير، وأول من تكلم في مقامات أهل الولاية وطور مفهوم "الحب الإلهي"، وأبي الحسن السِّري بن المغلس السَّقَطي (ت: 253 هـ)، وأبي زكريا يحيى بن معاذ الرازي (ت: 258 هـ)، وأبي يزيد طيفور بن عيسى بن آدم بن سَرُوشَان البسطامي الفارسي (ت: 261 هـ) الذي تتلمذ لمتصوف هندي لا يعرف اللغة العربية وهو أبو علي السندي ونقل عنه وحدة الوجود الهندية وكذلك مفهوم "الفناء"، وأبي سعيد أحمد بن عيسى الخَرّاز البغدادي ( ت: 279 هـ ) وهو أول من قال بالرأي في "الفناء" و"البقاء"، وأبي محمد سهل بن عبد الله بن يونس التُّسْتَري (203 هـ - 283 هـ)، وأبي القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزّاز البغدادي (ت: 297 هـ) الذي جمع بين التصوف والكلام مثل شيخه المحاسبي12، وأبي الحسين بن محمد النُّوري البغدادي (ت: 295 هـ)، وأبي عبد الله عمرو بن عثمان بن كُرَب المكي، ثم البغدادي الأصولي (ت: 297 هـ)، وأبي المغيث الحسين بن منصور الحلاج (ت: 309 هـ) الجامع بين تصوف الهند وفلسفة اليونان. وهو أول قائل بالحلول والاتحاد، وأبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن الشهير باسم الحكيم التَّرْمِذي (ت: ما بعد سنة 318 هـ) أول مبتدع لخرافة "خَتْمَ الأولياء"، الذي سيحاول كل المتصوفة بعده ادعاءها لأنفسهم، كما سيفعل ابن عربي الحاتمي الذي كان معجباً به، بعد ثلاثمائة عام!،..وغير هؤلاء.
أما في حال ابن تيمية، وعلى مرمى خمسة قرون من بعد الإمام أحمد، فقد تطورت تلك الأفكار الصوفية الجنينية القديمة واختلطت بالفلسفة وتهجنت بموروث كل الأمم التي حكمها الإسلام، وظهرت نماذج من هذه الخضرمة عند كل من: شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي المقتول (ت: 587 هـ) الذي جمع ما بين تراث فارس والأفلاطونية المحدثة في تصوفه الإشراقي، وأبي بكر، محمد بن علي، الشهير باسم: محيي الدين ابن عربي المرسي الطائي (ت: 638 هـ) وتلميذه وربيبه صدر الدين محمد بن إسحاق القونوي (ت: 673 هـ) القائلين بوحدة الوجود، وعبد الحق بن إبراهيم بن سبعين (ت: 669 هـ) وتلميذه أبي الحسن الششتري (ت: 668 هـ) القائلين بوحدة الوجود المطلقة وغيرهم كثير.
وكان أبو حامد الغزالي (ت: 505 هـ) قد انتقد الفلسفة والفلاسفة في كتابه: "تهافت الفلاسفة" إلا أنه لم يخرجها من ساحة التداول، على عكس ما يشاع، حيث سيرد عليه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد (ت: 595 هـ) بكتاب: "تهافت التهافت" مع نهاية القرن نفسه، ولا خرج الغزالي نفسه من بطن الفلسفة، كما سيحكي عنه، خير من خبر شأنه وناظره، وهو: تلميذه القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الله، الشهير بلقب: ابن العربي المالكي المعافري (ت: 543 هـ).
ويعد الغزالي بحق، أول من مكن لانتشار التصوف الدخيل بين المسلمين كممارسة وسلوك وطريقة تفكير، بما ألفه من كتب تبسيطية مهجنة في تقريبه لأذهان العامة، بما يتفق وميولاتها في تقبل الخرافة والأسطرة بدون موازين المساءلة والتمحيص، ممهداً بدلك الطريق لكل الطوائف الصوفية التي ستنتشر من بعده مثل: الطريقة القادرية، نسبة إلى عبد القادر بن موسى الجيلاني (ت: 561 هـ)، والطريقة الرفاعية، نسبة إلى أحمد بن علي الرفاعي (ت: 578 هـ) وغيرهما.
قلت: وكل هؤلاء المتصوفة سيتعرضون إجمالاً لهجوم لاذع من أبي الفرج ابن الجوزي البغدادي (ت: 597 هـ) في كتابه: "تلبيس إبليس" قبل أن يعرض لهم ابن تيمية رحمه الله بنقديته المركزة والشاملة بتفصيل.
ثالثاً:: وعلى خلاف الإمام أحمد الذي آزره الفقهاء والمحدثون في محنته، فقد ضاعف من محنة ابن تيمية رحمه الله، الانحطاط العام للمسلمين في كل الميادين، وكثرة الأدعياء المخرفين، والأحزاب المتهافتين، والطوائف المتشرنقة على التقليد والموروث، وانعدام الناصر والآزر، زيادة على تنزل "البدعة" و"التقليد" في عصره تنزل "السنة!" بالإحلال محلها!. لذلك لم يجد بداً من إعلانها حرباً شاملة لا هوادة فيها على كل الطوائف.
الهامش:
1 كتاب: "مجموعة الرسائل والمسائل" (1: 186)..
2 أبو الحسن: علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري البصري (260 هـ - 324 هـ) كان تلميذاً لأبي علي الجبائي المعتزلي ثم خرج من الاعتزال وحاول انتحال مذهب وسط بين المعتزلة وأحمد بن حنبل. وهو مؤسس علم الكلام عند السنة.
3 وكانت له رحمه الله مأثرة سابقة، يوم وقف في وجه ملك التتار غازان سنة 699 هـ وهو عازم على الاستيلاء على دمشق فأنبه وأغلظ له القول وشنع عليه غزو ديار المسلمين وهو يدعي الإسلام فاستجاب له غازان مرغماً وارتحل، إلا أنهم عادوا ليهددوا البلد من جديد سنة 702 هـ فكانت وقعة "شقحب".
4 المؤلهون للحاكم الفاطمي: منصور بن نزار (ت: 411 هـ).
5 ولا زالت حملته هذه على كل هذه الطوائف النشاز، تجد لها قبساً يستضيئ بأواره، تحت ذرائع شتى، كل المتصوفة والطرقية والشيعة،....إلخ، وتجد لها صدى عند أمثال الجعفري صائب فبد الحميد في نؤلفاته من شاكلة: "ابن تيمية: حياته وعقائده"، و"ابن تيمية في صورته الحقيقية!!"، و"الوهابية في صورتها الحقيقية!!"، وما شابه، بدعوى البحث الموضوعي!، بينما هي مؤلفات عقدية كسائر أمثالها في موضوعاتها!، حسب الخلفية المذهبية لأصحابها. ولا تنطلي سوى على البهاليل أو المغفلين.
6 أنظر تفكيكيته الإبليسية للمنظومة العقدية الإسلامية في كتابنا: "الانقلابات البولصية في الإسلام".
7 ونقل أبو حفص زين الدين عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس - الشهير بابن الوردي - الشافعي (689 هـ - 749 هـ) في كتابه: "تتمة المختصر في أخبار البشر" المعروف ب "تاريخ ابن الوردي" (2: 267)، طبعة مصر لسنة 1325 هـ، المطبوع بذيل "تاريخ أبي الفداء حادثة أخرى سنة 710 هـ حيث ظفر له الفقهاء بفتوى أخرى أقامتهم ولم تقعدهم ولها ارتباط بشد الرحال إلى المساجد الثلاثة: مكة والمدينة وبيت المقدس، فعملوا على استصدار مرسوم من السلطان تم بموجبه سجنه في قلعة دمشق.
8 أنظر الكتاب الثالث ضمن هذه السلسة: "الثورة المنهجية في الفقه: تقومية الشافعي"
9 انظر: علي بن الحسين بن بابوي القمي الجعفري (ت: 329 هـ) في كتاب "قرب الإسناد" في أحوال جعفر الصادق.
10 أنظر "نهج البلاغة" (1: 181) ضمن مجموعة "مجمع البحرين" للمجلسي.
11 والغريب في أمر المحاسبي رحمه الله، هو أنه لم يتعرض لسوء على أيدي المعتزلة أيام المحنة!، وهو من أشد منتقديهم!. ورجح بعضهم أن يكون المعتزلة ربما اجتنبوا إساءته للخصومة التي كانت بينه وبين الإمام أحمد!. وقد ألف المحاسبي: "كتاب في الرد على المعتزلة"، إلا أن أحمد سينتقده على هذا الكتاب بأنه يتوسل فيه للرد على المعتزلة بانتهاج منهجهم وشرح مقالاتهم، وبالتالي فهو بعمله هذه يروج لبدعتهم درى أو لم يدر!.
12 تتلمذ للسري السقطي، والحارث المحاسبي، والبسطامي وغيرهم وجمع بين طريقتهم، كما أخذ الفقه على أبي ثور تلميذ الشافعي. وقد سوغ شطحات المتصوفة ووجد لهم الأعذار من خلال كتابه: "شرح شطحات أبي يزيد البسطامي". ويظهر تأثيره عليه في رسالتين لا تخطئان غنوصيته وهما: "رسالة في الطلاسم"، و"تدبير الحجر المكرم". وسوف يؤثر في كل المتصوفة الذين جاءوا بعده ومنهم الحلاج.