10
الجمعة, نيسان
0 مواد جديدة

صناعة الفقة(4): التقويم الظاهر
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

صناعة الفقه (4): التقويم الظاهري

صناعة الفقه (4): التقويمية الظاهرية
مقتطفات من الكتاب (غير مطبوع)
بين يدي السلسلة

تمتاز الرسالة الإسلامية بكونها "رسالة خاتمة". فلا كتاب بعد القرآن المعجز، ولا نبي ولا رسول بعد محمد الخاتم وإلى يوم الصعق!. وهذا المعطى الجذري في سياق الرسالات السماوية، قسم محور الوعي الوجودي للبشرية شطرين: ما قبل الرسالة الخاتمة وما بعدها، محدثاً لقطيعة تاريخية مع طفولتها، بحيث صارت البشرية، بعد بلوغها هذا المنعطف، قادرة على استبانة طريق الرشد من طريق الغي، بما زودت به من ملكات فطرية وموازين، لتنطلق بثقة في سياحتها الوجودية في هذا الكون الافتتاني بدليل القرآن والسنة الثابثة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم  وحدهما.

وهو ما ألقى على كاهل العلماء المسلمين، غير المشوبين بشوائب التقليد، الذين أوتوا من العلم حظاً وافراً، ومن القدرة على فهم النصوص وتنزيلها على واقع مجالاتهم التخصصية المختلفة، أو أعصارهم بما يناسبها ويوائمها، عبئاً ثقيلاً، لا تضاهيه من جهة النتائج والعواقب المترتبة عليه مسؤولية أخرى، مادام افتقادهم يؤدي لا محالة إلى حصول تصدعات وشروخ في صرح الإسلام لن تلتئم جنباته سوى بوجودهم.

وبحكم أن غلبة الأنبياء وظهورهم على المخالفين، إنما كانت دوماً غلبة بالحجة والبرهان والدليل والبيان، وهي ثابتة لجميعهم، وغلبة بالسيف، وهي ثابتة لبعضهم ممن أُمروا بالقتال في سبيل الله، فلا يخفى أن الغلبتين تظلان ثابثتين لمن تأسى بهم، وعداً أزلياً غير مخلوف، ممن لا يخلف وعده، لقوله تعالى:

(كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)

(ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا المُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ. وإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ)

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ ءَاَمُنوا في الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)

وهذه الغلبة الحجاجية، المبنية على الفهم الصحيح للتوحيد المطلق، بشقيه: الألوهي والربوبي، والمعرفة بالله وصفاته، ووعده ووعيده، ...إلخ. أساسية في وعي الأفراد بذواتهم، وفي تعقل ما هو مطلوب منهم، والغاية من وجودهم، قبل تصدرهم لتحمل عبء التبليغ عن رب العالمين، أو لتجديد الإيمان في نفوس المسلمين، من أجل استئناف المسيرة الحضارة الإسلامية، بتجديد جماع علومها وآدابها وفنونها،..إلخ، كتحصيل حاصل.

و لا يمثل هذا الوعي، وعلى أهميته البالغة، سوى جانب واحد من المسؤولية التي تطوق أعناق العلماء، من باب الجهاد الأصغر، أما الجانب الآخر، وهو الجهاد الأكبر، فيتمثل في الردّ على المخالف من داخل الإسلام ومن خارجه، دفاعاً عن الإسلام الأزلي في صورته الناصعة، الصافية، المجلوة، غير مشوبة بشائبة ولا مدخولة بدغل.

وقد اصطلحنا على تسمية هذه النخبة من العلماء، التي أخذت على عاتقها تحمل مثل هذه الأمانة التي عجزت عن تحملها الأرض والجبال والسموات، وكونت عبر التاريخ سلسلة موصولة من العباقرة، ب: "التقويميين"، لكونهم تصدوا جميعهم وبدون استثناء لهذين الجهادين بالذات.

ولقد حاولنا أن نرسم في هذه الدراسة صورة لحياة رجلين فذين من هذا الرعيل وهما داود الأصفهاني وابن حزم الأندلسي الظاهريين، للوقوف على ما أضافاه للبحث الفقهي خاصة.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق