10
الجمعة, نيسان
0 مواد جديدة

المهدي اللاَمنتظر
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

طقوس التتويج المصرية

وطقوس التتويج تشحن "الفرعون" بقوة سحرية ضرورية في نظرهم لتوازن قوى الطبيعة. وهي لم يطرأ عليها أي تغيير لمدة تنيف على الثلاث ألف سنة!. فهي ترمز إلى توحيد مملكة الجنوب ومملكة الشمال تحت سلطة الجنوب. فيظهر الملك أولاً حاملاً للتاج الأبيض لمصر العليا المعلو بعقاب، رمز الربة "نخبت" وقصب. ثم يظهر ثانية متوجاً بتاج مصر السفلى المعلو بأفعى رمز الربة " وجدت" ونحلة. ثم يظهر أخيراً لابساً للتاج المزدوج "بشنت" الرامز لوحدة القطرين.

بعد إنهاء مراسيم التتويج هذه، يصبح الفرعون الوعاء الظاهر لكل القوى الحية التي تحرك العالم. فبه تنمو المحاصيل بفيضانات النيل المباركة!، وبه يكثر نسل النساء وقطعان الماشية!..الخ. فإذا ما اعترى الملك مرض أو توعك صحي مهما قل شأنه أو كبر، فإن هذه القوة الحية الكامنة فيه يمكن أن يعتريها بدورها نقصان. ولذلك فإنهم يجددون هذه المراسيم التتويجية دورياً، لتشبيب الفرعون روحياً! وتجديد قواه!.

ولأن شخصه مقدّس، فلا يستطيع البشر مخاطبته مباشرة!. فمن كان من البشر العادي!، فهو لا يستطيع التكلم مع " الفرعون " أو يخاطبه متوجها إليه، وإنما يتكلم " في حضرة الفرعون " وابتكر بروتوكولا خاصاً لمخاطبته دون الإشارة إليه!، فهو لا ينادى أبداً باسمه ولا يخاطب ب " اسمع يا ملك ! " وإنما " فلتسمع جلالتكم! "، بل إن اسم " فرعون " نفسه وليد هذه الصيغ المجازية والتعريضية، فهو مشتق من " فر" أو " بر": بيت و " عا": الكبير، فهو " بر ~ عا "، البيت الكبير!.

فعندما سيتسمّى لاحقاً ملوك بني عثمان ب " الباب العالي !" ويتسمى رئيس الوزراء ب" الصدر الأعظم!" فإنما كانوا يقلدون هذا النموذج الفرعوني ~ الهاماني!

بل إن جسد الفرعون المشحون بالقداسة!، يمثل خطورة على كل من يقترب منه، لذلك فالمقربون من الملك أو خدمه يتم اختيارهم من ارفع طبقات الأسرة المشاركين للفرعون في دمه!. والأفراد القلائل الذين يمكن لهم الاتصال بالفرعون وهم في مأمن من محقِ القداسة، ينعم عليهم الفرعون بألقاب: " الجليس الخاص لبيت الصباح! "، " المرافق الأوحد!"، و" الكائن قرب الملك! ". وتمثل الأفعى على تاج الفرعون قوة ساحرة تنفث اللهب وتقي شخص الفرعون من اقتراب من لم يخول له بذلك!

وكما أن الفرعون مشحونٌ بمثل تلك الطاقة الماحقة!، فكذلك هو لا يَعزُب يحدث وبما عنه شيء، على ما سنجده يتكرر في التاريخ!، فأحد الوزراء الكبار خاطب فرعون وقال:

إن جلالته عليم بما يحدث وبما يقع، ليس في الدنيا شيء لا يعلم به! إنه " تحوتي" في كل شيء، وما من معرفة إلا وقد أحاط بها!.

وهذا سنجد له استمرارية في التاريخ، حتى ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين لدى بعض الأمم!.

وتحوتي: تعني أن له صفات إله المعرفة والكتابة " تحوتي " ( Tehuti ). ويلعب السحر في هذه المراسيم كما في غيرها من أمور حياة المصري القديم دوراً كبيراً حتى في أمور السياسة الخارجية، حيث عثرت الحفريات المعاصرة على نصوص سحرية للأسرة الثانية عشرة، بها تعاويذ موجهة ضد البلاد التي يراد مد نفوذ مصر إليها أو عليها.

والقرآن لم يهمل هذا الجانب من مقومات من سماه "فرعون ذا الأوتاد" ، أي رعمسيس ( ابن رع ) الثاني ونجّى بدَنه ليكون آية للعالمين، عندما قّص واقعة السّحرة مع موسى عليه السلام

رعمسيس الثاني ( 1300 ~ 1233 ق.م ) من الأسرة التاسعة عشرة، عمر 67 في الحكم وتزوج أخته " حنوتمير" و ثلاثة من بناته وأربعة أخريات، من ضمنهن ابنة الملك الحيثي حاتوشيلي الثالث وولد له أكثر من مائة ولد، اكتشفت بعثة أمريكية مقبرة ل 52 من أبنائه في وادي الملوك سنة 1995 م.. ولا ينطبق نعت القرآن لذي الأوتاد على أحد سواه. فهو وسع أو بنى معابد في كل من أبي سنبل وطيبة والأقصر والكرنك. وينسب بهو الأوتاد الذي ترجمته العرب من الإنجليزية ( Hall of Column )، بهو الأعمدة. فهو كما يصف القرآن المعجز: الفرعون ذو الأوتاد. مما لا يترك مجالاً للشك في كونه هو، المحفوظ في متحف القاهرة عبرة للعالمين.. وسمى القرآن حاكم الهكسوس الذي حكم مصر أيام يوسف عليه السلام "ملك" في سورة يوسف. وهذا أيضاً من إعجازه، لأن لقب "فرعون" لم يستحدث في الأسر الحاكمة لمصر إلا بقدوم الأسرة التاسعة عشرة. ولا يتميز ضمنها تجبراً وطول عمر وبناية وامتداداً خارجياً وراء حدود مصر سوى هذا الفرعون.أنظر: رؤوف أبو سعدة: من إعجاز القرآن: العلم الأعجمي في القرآن مفسر بالقرآن، ( 2 : 33 ~ 49 )، دار الهلال، ط. أولى 1414 هـ/1994 م.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق