2) العلم المؤطر بنظرية مسبقة
ولعل الجدير بالملاحظة هو أن الاهتمام المباشر لغالبية الرصاد المسلمين ما بعد القرن الثالث الهحري سينصب، زيادة على الرصد المحض لتحديد مواقع النجوم وقياس ميل دائرة البروج،...إلخ، على التحقق من "نظرية مبادرة الاعتدالين" التي كان قد قال بها الفلكي والرياضياتي: أبو الحسن: ثابت بن قرة الحراني (221 هـ/826 م – 288 هـ/901 م).مبادرة الاعتدالينوقد اهتم ثابت، الذي نال حظوة كبيرة لدى الخليفة المعتتضد بالله: أحمد بن طلحة بن جعفر العباسي (242 هـ/857 م – 289 هـ/902 م)4، بظاهرة "مبادرة الاعتدالين" Precession of the Equinoxes)5) أثناء اشتغاله بمرصد الشماسية ببغداد، وفسر هذه الظاهرة خطأ، بالقول بأن محور دوران الأرض يترنح كما تترنح النحلة، وهي تقف وتدور حول محورها، فتذهب متمايلة هنا وهناك. {وانظر الرابط التالي من أحل أخذ فكرة عن هذه الظاهرة}:
http://www.opencourse.info/astronomy/introduction/03.motion_earth/precession_exterior.gif}
والمعروف اليوم أن سبب الظاهرة يرجع بالأساس إلى كون الأرض مفلطجة ولها نتوء زائد عند خط الاستواء، وهذا النتوء يتأثر بجاذبية كل من الشمس والقمر، فتحدثان فيه حركة لولبية أشبه بجركة الخذروف. وهو ما لم يكن معروفاً لثابت يومها.الوصف الخطأ لترنح محور الأرضوقد استمرت هذه الرعاية والعناية بعلماء الفلك من طرف الحكام، حتى بعد أن ضعف منصب الخليفة العباسي 6واستبد قواد الجند بالحكم الفعلي {وهذا من حقهم، وإن لم يستوعبوهّ، مادامت الغلبة هي التي شرعت للمنصب بالأساس وليس الشورى}، كما حصل مع أبي الفوارس: شيرويه بن عضد الدولة بن بويه الديلمي الملقب "شرف الدولة" (340 هـ/951 م – 379 هـ/989 م).
فقد أظهر هذا السلطان عنايته بالفلك وابتنى مرصداً جديداً في جنائن القصر السلطاني ببغداد سنة 378 هـ/ 988 م، عرف ب "المرصد الشرقي" فاق بتجهيزاته مرصدي المأمون في الشماسية وجبل قسيون.
وممن اشتغلوا بهذا المرصد:
أبو سهل الكوهي: ويْجَن بن رُسْتُم بن وشم (ت: 390 هـ/1000 م) الذي اشتهر بصنع الآلات الرصدية، وإجراء الأرصاد الدقيقة على الكواكب السبعة وأبراجها. وبحث في مراكز الأثقال، فتوسع فيها واستعمل البراهين الهندسية لحل بعض مسائلها واشتهرت عنه مؤلفات في هذه التخصصات مثل: "كتاب مراكز الأكر" ولم يتمه،وكتاب: "صنعة الإسطرلاب بالبراهين وغيرهما.
وأبو حامد الصغاني، أحمد بن محمد الاسطرلابي المهندس الفلكي البغدادي (ت: 379 هـ/989-990 م) مطور جهاز الإسطرلاب الذي ورثه المسلمون عن الإغريق.
وأبو الوفاء: محمد بن محمد بن يحيى البوزجاني (328 هـ/939 م – 388 هـ/998 م) مؤلف "كتاب الكامل" وبه ثلاث مقالات: المقالة الأولى: "في الأمور التي ينبغي أن تعلم قبل حركات الكواكب"، المقالة الثانية: "في حركات الكواكب"، المثالة الثالثة: "في الأمور التي تعرض لحركة الكواكب" غيرها.
وأبو الحسين الصوفي وقد تقدم الكلام عن إسهاماته،....... وغيرهم
ثم توالى إصدار الجداول المحققة في الأعصار التالية في مشارق ومغارب العالم الإسلامي فظهرت:
1) جداول أبي الحسن: علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي المصري (ت: 399 هـ/1009 م) المعروفة: ب "الجداول الحاكمية" (نسبة إلى الخليفة الفاطمي: الحاكم بأمر الله) وقام بأرصاده من سنة 380هـ/990 م إلى سنة 397هـ،/1006م،
2) وجداول ابن صاعد القرطبي،
3) وجداول أبي اسحاق: إبراهيم بن يحيى التجَيِّبي النقاش، المعروف بابن الزرقالة أو الزرقالي الطليطلي الأندلسي (493هـ، 1099م) المعروفة ب "اللوائح الطليطلية" نسبة إلى مدينته وهي أرصاد قام بها في مدينته طليطلة بين سني: 453 هـ/ 1061 م إلى 473 هـ/ 1080م. ويعرف الزرقالي في اللاتينية باسم (Arzachel)،
4) وجداول أبي محمد جابر بن أفلح الإشبيلي نزيل قرطبة (ت: 509 هـ)، وصاحب "كتاب الهيئة أو إصلاح المجسطي".
5) و"زيج" مسلمة بن أحمد المجريطي الأندلسي (ت 398هـ/ 1007م) الذي عني بزيج الخوارزمي وحوّله من السنين الفارسية إلى العربية ثم اختصره وأصلحه، وله أيضاً اختصار تعديل الكواكب من زيج البتاني.
6) وجداول أبي الفتح عبد الرحمن الخازن (أو الخازني) (نحو 550 هـ/1155 م) المعروفة ب "الزيج المعتبر السنجاري" نسبة إلى السلطان سنجر.
7) وجداول البديع: أبي القاسم هبة الله بن االحسين بن يوسف الإسطرلابي البغدادي (ت: 534 هـ/1139 م) التي وضعها سنة (524 هـ/1129 م – 1130 م) وسمّاها: " الزيج المحمودي" نسبة إلى السلطان أبي القاسم محمود بن محمد،
8) وجداول الحسن بن علي بن عمر المراكشي (المغرب الأقصى) (ت: 660 هـ/1261 م) التي رصد فيها 240 نجماً سنة 622 هـ/1263 م. وهو صاحب كتاب: "جامع المبادئ والغايات في علم الميقات" الذي شرح فيه طريقته الفذة، التي لم يسبق إليها، في وضع خطوط الطول المتساوية الزمن على الخرائط الجغرافية.
9) واخترع المحدث والفلكي المخضرم أبو عبد الله شمس الدين: محمد بن سليمان بن الفاسي بن طاهر السوسي الروداني المغربي نزيل مكة (1037 هـ/1627 م - 1094هـ/ 1683م)7 آلة كروية الشكل تبيّن التوقيت؛ وعليها دوائر ورسوم مدهونة بالبياض المُمَوَّه بدهن الكتّان، وقد رُكّبت عليها كرة أخرى مقسومة نصفين وفيها تخاريم وتجاويف لدوائر البروج وغيرها، وهي مستديرة كالتي تحتها ومصبوغة بلون أخضر. وكانت سهلة الاستعمال صالحة لبيان الأوقات في كل البلدان.
وقد ألّف لها رسالة بيّن فيها كيفية صنعها واستخدامها وغير هؤلاء كثير.
الهامش:
1- اتصل بعضد الدولة البويهي، فعمل منجما له و ألف كتابه الشهير "الكواكب الثابتة" الملون بلوحات في غاية الروعة، مما يعد من تحف علم الفلك الإسلامي و يحوي إحداثيات و عظمة الكواكب (قدرها النوري) وعده مؤرخو علم الفلك : التدوين الوحيد لوصف السماء بشكل أصيل بعد كتاب "الماجسطي" للفلكي الإسكندري الشهير: كلوديوس بطليموس (85-165 م).
2- المقدار النجمي يعتمد تصنيف بطليموس (كلوديوس) من القرن الثاني الميلادي الذي صنف "جدولاً" (كاتالوغا) للنجوم المرئية قسمه إلى ستة أصناف أو أقسام أو "مقادير" بحسب سطوعها و نورانيتها، فالأسطع منها جعلها من المقدار الأول و الأقل من الدرجة الثانية و هكذا إلى المقدار السادس الذي لا يرى سوى بصعوبة بالعين المجردة. أما النظام الحالي لتقدير "المقادير النورانية" فلم يبدأ الاشتغال به سوى سنة 1856 م. وفي هذا النظام، فالنجم ذي القدر الثاني هو 2.5 مرة أنور من القدر الثالث وهكذا. وبالتالي فالنجم ذي القدر الأول هو أنور 100 مرة من نجم من القدر السادس تقريبا.
3Konrad Engelbert Oelsner )1764 -1828)" Des Effets de la Religion de Mahomet, pendant les trois premiers siècles de sa fondation, sur l'esprit, les moeurs et le gouvernement des peuples chez lesquels cette religion s'est établie, Paris 1810
4 وهو من كناه أبا الحسن، مع أنه لا ابن له يحمل هذا الاسم!
5 التي كان قد اكتشفها الفلكي اليوناني هيبارخوس (Hipparchus) (ت: ما بعد 127 م) باعتماد المعطيات الفلكية البابلية.
6 المنصب الذي كان قد تأسس على المئات من الأخبار الملفقة والموضوعة في أحقيتهم للخلافة دون سائر المسلمين، مع أنها متنافية وفي المطلق مع عالمية الإسلام ومنظوره!: أنظر كتبنا المحققة للدعاوى مع التخريج الشمولي للأخيار في العناوين التالية: " أحاديث في السياسة لا تصح الأئمة من قريش" (يوجد على هذا الموقع التخريج الشمولي لها)، والأصولية الجعفرية الشيعية والاجتهاد المؤطر بالأسطورة" (وهو مطبوع)، و"المهدي اللامنتظر، لا عند اليهود ولا عند الشيعة ولا عند السنة ولا عند البرتغال" (وهو مطبوع).
7 Ch. Pellat. L'astrolabe sphérique d'al-Rudani, BULLETIN D'?TUDES ORIENTALES. Tome XXVI - 1973. Damas, 1974
العلم المؤطر بنظرية مسبقة
Tools
Typography
- Smaller Small Medium Big Bigger
- Default Helvetica Segoe Georgia Times
- Reading Mode

