ردّا على صاحب كتاب أكثر أبو هريرة
السيد: نور الدين مفتاح، مدير التحرير ( جريدة "الأيام" الأسبوعية)تحية طيبة... وبعد،فقد لفت انتباهي في محور "مناقشات" في العددين 69 و70، لأسبوعي: 16-22، و23-29 يناير 2003، صفحتي 27 في كلا العددين، العنوان اللافت الذي أبرزتموه بالبنط العريض: "الثورات العلمية لا تخرج من عباءة المحافظين!"، الذي صدرتم به الجزء الأول من مقالة للسيد مصطفى البوهندي، صاحب كتيب "أكثر أبو هريرة،" يرد فيها على منتقديه!.
بسم الله الرحمن الرحيم
د/ محمد عمراني حنشي،
العنوان الإلكتروني: ( http://www.amrani.org )
إلى:
السيد: نور الدين مفتاح، مدير التحرير ( جريدة "الأيام" الأسبوعية)
تحية طيبة،
إسمحوا لي أن أنوه بالجهد المسؤول الذي تقومون به والطاقم المشرف على أسبوعيتكم المميزة، كي تبقوا للكلمة المتوخية للصدق من معنى، وللإعلام النير الحر الغير مهجن ولا مدجن من رسالة وفعالية.
ولا أريد في هذه العجالة، أن أعرج على سرد أسماء من الطاقم، ولا أن أعدد المحاور، أو التحقيقات،...التي تفاعلت معها، أو أعجبت بها، أو وجدت لها هوى في نفسي، كي لا أبخس جهد أي فرد من أفراد طاقمكم، ولا أن أغمطه حقة في عمل جماعي، أشبه بعمل خلية النحل، كهذا الذي تقومون به. فهذا عذري عندكم وعندهم، لتأخري دهراً عن التنويه بجهد يستحق كل الثناء، و بعمل يصبو لأن يكون متقن الصنع، وشكراً على التفاعل والعطاء،
وبعد،
فقد لفت انتباهي في محور "مناقشات" في العددين 69 و70، لأسبوعي: 16-22، و23-29 يناير 2003، صفحتي 27 في كلا العددين، العنوان اللافت الذي أبرزتموه بالبنط العريض: "الثورات العلمية لا تخرج من عباءة المحافظين!"، الذي صدرتم به الجزء الأول من مقالة للسيد مصطفى البوهندي، صاحب كتيب "أكثر أبو هريرة،" يرد فيها على منتقديه!.
وقبل الدخول في صميم الموضوع، أنبه فقط، من حيث الشكلانية، إلى أن هذا العنوان مبتور، وكان يجب أن تضاف إليه عبارة: "ولا من معطف المهرجين!"، كي يصبح جامعاً مانعاً فيما توخاه له السيد البوهندي.
أما من حيث المضمون، فيمكن مقاربة الموضوع كما انطرح للسيد البوهندي من زاويتين:
- الزاوية الأولى: أن السيد البوهندي، استوحى عنوانه هذا بالاسترجاع، وربما حتى دون أن يدري!، من عنوان لكتاب صدر للفيزيائي الأمريكي "طوماس. س. كون" ( Thomas, S ., Kuhn )، تحت اسم: "بنية الثورات العلمية" ( The Structure of Scientific Revolutions ) الذي أصدره سنة 1962 م وأحدث ضجة يومها في الأوساط العلمية الأمريكية لتأجيجه لصراع قديم وراهن في الغرب ما بين حقلي العلوم الصلبة التي تمثلها الفيزياء بامتياز، والعلوم الإنسانية عامة المنعوتة عندهم ازدراءً ب "العلوم الهشة!1".
وستنتقل هذه الإشكالية الأمريكية البحتة بحذافرها بعد عقدين إلى الساحة الثقافية الفرنسية، إثر ترجمة دار فلاماريون ( Flammarion ) للكتاب سنة 1983 م، لتصبح تقليعة الساعة، ومنها ستجد طريقها إلى الجامعة المغربية على يد بعض الأساتذة من شعبة الدراسات الفلسفية، الذين يعملون كصناديق رنانة، لكل ما تنتجه الساحة الثقافية الفرنسية، ليتعالموا بما ورد في الكتاب، وهي هموم فيزيائية محضة!، على طلبتهم من شعب العلوم الإنسانية، ضمن درس التيه الفلسفي العام، الذي أصبح يضطلع به حقل "فلسفة العلوم"، بعد أن ماتت الفلسفة كموضوع، وكتقليعة في الدردشة المتعالية في عقر ديارها منذ عصور ودهور! .
ولست أواخذ السيد البوهندي على استعارته، وهو ينقل "الأنموذج الإرشادي" ( paradigm ) الذي يعمل به الفيزيائيون، ليسحبه بغرور على نفسه، كمجدد!، بإزاء التقليديين الذين لم يحدد مواصفاتهم كمحافظين!، لو أن هذه الاستعارة كانت مثمرة في حقه أو في حقله، مادامت الاستعارات في العلوم تدخل ضمن الحق المشاع للجميع، وإنما مأخذي عليه بالأساس هو: أنه لم يزد على أن اشتغل بدوره، وبحسب ما علق في ذاكرته من درسه الفلسفي، كصندوق رنان لمشكلة لا تدخل ضمن تخصصه، كي يستطيع أن يبدئ فيها أو يعيد!. وهي زلة، لا تغتفر في العلوم!.
- الزاوية الثانية: تطويح السيد البوهندي بدعاوى ينقصها التواضع ومن يعرف حق قدره، كقوله:
لقد فتح كتاب: "أكثر أبو هريرة" في طبعته الأولى باب "الحوار" العلمي!!! حول التراث العربي الإسلامي على مصراعيه!!!....
وهي حتى مجازاً، عبارة دون كيخوطية، أكثر منها وصفاً لواقع الحال، ويحول بينها وبين التحقق والتصديق فشلها الذريع في اجتياز رائز الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله في قوله:
فوا راحتي إن كان زادي مقدماً ويا نصبي إن كنت لم أتزود
ويطالها قسرا قول الشاعر الاخر: ما يزهدني في أندلس.....!
وما أظن أن أي مطالع لكتيب السيد البوهندي: "أكثر أبو هريرة"، سينتهي إلى مثل هذه النتيجة المغلوطة التي انتهى إليها، خصوصاً وأن هذا إجماع من كل هواة الحقل قاطبة، ممن تجشموا عناء الرد على ما كتب، وأصابوا في بعض وأخطأوا في بعض، بينما راكم لوحده كل الأخطاء، على ما سنبين.
ذلك، أنه كان قد سبقه إلى مثل هذا التشغيب، الذي لا يمث إلى العلم ولا إلى مسماه بصلة أو وشيجة، المصري محمد أبو رية: تلميذ طه حسين2 في كتابيه: "أضواء على السنة المحمدية"3، و"شيخ المضيرة"، حيث ذهب يتحامل فيهما بجهل وصلف وقلة مروءة وحياء، وبدون أثارة من علم، على أبي هريرة، وكعب الأحبار، من خلال مرويات مكذوبة، لا تصح إليهما بوجه من الوجوه!، على ما أثبتنا في مؤلف لنا قيد الطبع يحمل عنوان: "السلم المعياري لقياس درجة وثوقية أخبار الثقات إلى الرسول".
وعندما سيقرأه السيد البوهندي، سيكتشف لا محالة، أن هذا الذي يعد به، أو يتصوره ضبابياً رجماً بالغيب، هو واقع، وأن الثورة المفهومية بدأت وهو لا يعلم حتى بوجودها، مادام لا يقرأ!.
والغريب من أمر السيد البوهندي، وكأستاذ جامعي!، هو أن يترامى على حقل ليس له بتخصص، ليسود فيه بلغة خطابية سفسطائية سجالية محضة، كراسة صغيرة من حجم كتيبات الجيب (20 سم X 15 سم) من حوالي 95 صفحة، بعشرة أسطر في كل صفحة!، دون أن يعرج على أيّ مصدر أو كتاب مرجع، حال ما فعل أبو رية قبله (وإن اعتمد الأخير على مصادر ضعيفة، لا يعرج عليها أصحاب الاختصاص، وانتقدت عليه كمنهج)4، وإنما اكتفى رأساً بما جاد عليه به برنامج "العالمية" لموسوعة الكتب التسعة الحديثية الحاسوبية، فوقع دون أن يدري تحت حد سيف القول السائر: تمسك غريق بغريق!
فأين تعلم السيد البوهندي أن عملاً كهذا، يندرج ضمن أسس الكتابة العلمية، وهو الذي لم يزد في كراسته تلك، على أن ردد مقولات المصري أبي رية بالحرف، دون إضافة جديد إلى الموضوع!؟.
ولو كان السيد البوهندي جاداً في مسعاه، لكان قد قام أولاً، كما جرت به العادة والعرف في الحقول العلمية المحتلفة، بمسح الحقل استقراءاً واستعراض واستقصاء الموضوع وما قيل فيه، من كل جوانبه قبل أن يدلي بدلوه فيه.
ولو كان قد فعل، لكان جنب نفسه، أن يقع في محذور ما انتقدناه على مشايخ أعلم منه بكثير بموضوعه كالشيخ محمد الغزالي5، والشيخ محمد عبده6، لقلة بضاعتهما في الحديث النبوي الشريف، والشيخ ابن باز والشيخ العثيمين من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، لعدم إلمامهم بالمناهج الحديثية وبعلوم الدراية7، والشيخ الألباني، والشيخ أبي الأشبال أحمد شاكر وغيرهما، لتصحيحاتهم للضعيف!8، زيادة على تضعيفنا للكثير من الأحاديث السياسية والعقدية التي لم يضعفها أحد من قبل. فكيف يكون بحثه علمياً، وقد غابت عن ذهنه ومنهجه كل هذه الأبجديات في الحقل ضربة واحدة!؟.
ولعل أكبر ما وقع فيه السيد البوهندي من شطط، كهاوي ناشئ فيما انتدب نفسه لمعالجته، أنه اعتمد الموسوعة الحاسوبية للكتب التسعة، وذهب يستعملها كأيها الناس!، ليبني فوقها بعض نتائجه، وغاب عنه، أن كل من له أدنى معرفة بعلم الحديث، وصادف أن استعان ببرنامج العالمية الحاسوبي في إصداره الأول، في بعض أبحاثه، إلا وهاله ما يعتري هذا البرنامج من أخطاء في بعض خوارزمياته، فتفضي بالضحية، الغير ملمة بالإشكالية، وبسندية المراجع الأصلية، إلى الوقوع في متاهات وأغاليط لا أول لها ولا آخر!. وهو ما وقع فيه بالذات!
ثم، إن أكثر ما حشر به السيد البوهندي كتيبه هذا من اعتراضات أو إشكالات، منقول عن أبي رية بالحرف، حتى أنه يمكن اعتباره سرقة وسطو، مادام لم يشر إليه كمرجع. وهو ما يمكن التيقن منه بيسر، من مقارنة بسيطة بين فهرسي موضوعات كتابيهما، حيث أن موضوعات:
- الإكثار من الرواية عند أبي هريرة التي أثارها البوهندي، ص. (4)، هي عند أبي رية في: ص. 192،
-ومدة ملازمة أبي هريرة للرسول ( عند البوهندي، ص. (10) هي عينها عند أبي رية ص. 197،
-ورد عائشة، زوج النبي ( لبعض حديث أبي هريرة، ص. (18)، هو عينه عند أبي رية ص. 204،
-وصحبة أبي هريرة للرسول ( من أجل إشباع بطنه!، ص. (33) هي عينها ص. 197،
-وحكايته عن زوجة أبي هريرة: ابنة غزوان، ص. (41) هي عينها ص. 214 عند أبي رية،
-ودعوى التدليس في أبي هريرة، ص. (49) هي عند أبي رية ص. 202،
-ومع كعب الأحبار وعبد الله بن سلام والإسرائيليات، ص. 73-80، هي عينها وبالحرف عند أبي رية ص. 145-179،...إلخ.. ولا يستوعب الكتيب أكثر من هذا!
فهل مثل هذا الصنيع في السطو على أفكار الغير، دون إيراد ذكر لهم، زيادة على التطفل علىالحقل، من العلم في شيء؟ وهل يتصور في العقل أن يتسلط مدع، ليس بالفيزيائي، ولا بالكيميائي، ولا بالعالم الحيوي على حقولهم وهو أمي فيها؟!. وهذا، مع الأسف، ما لم يتورع السيد البوهندي من الوقوع فيه كمطب.
وعندي أن هذه البلية التي يعاني منها التعليم المغربي في كل تخصصاته المختلفة عامة، وفي العلوم الإسلامية خاصة، كمستوى وأفق للتفكير العلمي الأكاديمي الرصين، ترجع بالدرجة الأولى إلى هذا القصور القاتل في فهم العلوم أو التعامل مع متطلباتها المنهجية الصارمة، كما عند سائر أصحاب هذا الشأن، الذين لهم تراثية في هذا المجال.! وهو ما لم يتكرس قط كمنهج وممارسة عندنا في جامعاتنا، مادامت الدولة ليست لها سياسة تحكمها متظورية ما في البحث العلمي، حتى تقرر له سياسة بعينها أو تقدم له الدعم المطلوب!. كيف؟، وهي التي لم تتورع، لأسباب سياسية وعارضة محضة، من تلغيمه وبولسته، إلى أن اختلط الحابل بالنابل ومنذ سنة 1965 بما حصل في أوفاق إفران!.
وكان بإمكان السيد البوهندي، أن بتعظ من سيل الردود، التي جاءته على محاولته العبثية الضحلة الغور هذه، ليتدبر أمره، ويعيد الكرة إن شاء، وله من أمره أناة، وبعد أن يكون قد تسلح بالمعرفة الضرورية، والمنهج الصلب الصامد، لتلافي النقص في مقاربته الأولى هذه، إلا أنه لفرط تحكم العقلية المشاغبة في نهجه، وجدناه يركب رأسه على ما اعتاد أمثاله، سجناء مثل هذه الذهنية، وهذا التكوين.
وقد رد على سفاسف وسخافات السيد البوهندي، وكما كان متوقعاً ضمن هذه التراثية العبثية عدة أشخاص، بحسب ما ظهر لهم، وإن لم يكونوا هم أنفسهم من أصحاب الاختصاص بدورهم!. وهو ما كرس له مقالته هذه في: "الأيام" للرد عليهم، بعد أن أخذته العزة بالإثم، بدل الانكفاء والإحجام عن التعالم الواهم، مكرساً للعبثية في المطلق، حيث يرد غير خبير على غير متخصصين، في ميدان بعيد المنال عن آفاقهم جميعا!ً. وهذا مني ليس كلاماً مرسلاً على عواهنه، وإنما ممن خبر الموضوع وزاوله وأخرجه في كنب للناس، ولا معقب!.
وكنمط من هذه العبثية، فقد رد السيد أبو سلمان الزبير بكتاب سماه: "السهام الكاسرة! لشبهات بوهندي الخاسرة!، حيث تأسى السيد أبو الزبير في هذا المنحى، بما سلك قبله في تسعينات القرن العشرين كل من: الشيخ عبد الرحمان العلمي في: "الأنوار الكاشفة"، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة مكي في : "ظلمات أبي رية أمام أضواء على السنة المحمدية"، والشيخ المصري محمد أبو شبهة في كتابه: "دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين"9، وعبد الرحمن عبد الله الزرعي في: أبي هريرة وأقلام الحاقدين10 في ردهم على أبي رية في كتابه الذي نشره في الستينات: "أضواء على السنة المحمدية".
ولهذين الفريقين من الخصماء، ضمن هذه التراثية التي تتغذى على نفسها، كالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله، سلف يحتذونه ويتأسون بهم، في إشكاليات ونقائض تبعث من رمادها موسمياً، ما يبعث الفينق الأسطوري اللبناني كل ربيع، وذلك بسابقة القاضي أبي محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (213 هـ - 276 هـ) الذي كان أول من ألف في الموضوع في كتابه: "تأويل مختلف الحديث"، يرد فيه على ما أثاره معتزلة عصره من شبهات حول ذات الموضوعات، وخصوصاً، زعيمهم في ذلك وحامل لواء دعاواهم والناطق باسمهم: أبي إسحاق، إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري المعتزلي (ت: 231 هـ) الشهير بلقب النظام.
والشيخ محمد عبده، كالشيخ محمد العزالي، وكالتلميذ السيد البوهندي المتأثر بذات المدرسة المهرجة، يعتبرون جميعاُ امتدادات عبثية ديناصورية لمدرسة النظام، المدعية للعقلانية وهي منها براء، ما دامت العقلانية منهج في التفكير لم تقاربه هذه المدرسة قط، وعلى مدى اثني عشر قرناً من تواجدها على الساحة الإسلامية.
فلمثل هذه الزوابع الفنجانية الموسمية إذن تاريخ طويل، وإن ظل الفنجان فارغاً بدون قهوة ومنذ البداية!
إلا أن المضحك المبكي في هذا الجدل الاجتراري، الواقع خارج المنطق والعصر، هو أن يكون لكل فريق ضمن هذه التراثية العبثية حججه الجاهزة، التي يلجأ إليها عند الطلب، مادامت الشبهات ظلت، ومنذ أن خلدها ابن قتيبة في مؤلفه الذائع الصيت هذا، تراوح مكانها من دون حل!.
ويظهر للمشاهد المحايد وهو يعاين الفريقين من خارج، وكأنهم بعملهم هذا ينضوون ضمن بيروقراطية تليدة لها استمرارية في التاريخ، تحافظ على هذا المورث العبثي، بهذا النمط من الموظفين الجلدين المثابرين، الذين تتلخص مهام وظائفهم في هذا النوع من السدانة على هذه التراثية الزائفة.
ويكاد ينحصر عملهم الشبه آلي في اقتطاع وريقات من إضبارات كتب سابقيهم، ثم لزق أشتات بعضها مع أوزاع بعض، وربط الكل بين دفتي أغلفة غفل، تحمل عناوين نمطية مكرورة، مشتقة بالتوليد من عناوين سابقة، جديدة قديمة، لا تقدم ولا تؤخر في الموضوع!.
قلت: ولكي نضع القارئ الكريم في الصورة ونجعله يتلمس مكامن الزغل في مثل هذه المقاربات الضحلة الغور، فيكفينا إطلاعه على أنموذج لكيفية اشتغال مثل هذه التراثية في ما أورده المصري أبو رية في أحد نصوصه.
قال أبو رية11: وروى مسلم بن الحجاج عن بُسر بن سعيد قال:
اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ( ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب، وحديث كعب، عن رسول الله!.
قلت: وقد وهم أبو رية في عزو الخبر إلى مسلم هنا، لأنه لا يوجد مثل هذا الخبر في صحيحه!. وهو سهو برئ في حد ذاته، ويمكن أن يحصل لأي أحد، مادام أبو رية، قد سبق له أن أورد الخبر في مكان آخر وعزاه للذهبي12. ثم جاء أبو شهبة، فاقتنص الخبر من أبي رية، دون أن يحققه، ليقف على خلفيته وقال13:
وقد ساق المؤلف (أبو رية) للتدليل على دعواه ما رواه مسلم! عن بشر!! بن سعيد قال: (الخبر).
وهنا، أضاف أبو شهبة إلى العزو الخاطئ للخبر عند أبي رية، خطأ آخر من عنده، وهو تصحيف اسم "بسر" الذي تحول الآن إلى "بشر"!. وهذا في حد ذاته يمكن أن يكون من فعل النساخ، لكن ما الحيلة وها قد وثقته الطبعة وصار أصلا في حد ذاته، لمن يأتون بعده ويقتطفون منه، دون تحقيق أيضاً!.
وقاصمة الظهر في كل هذا، هو أن لا وجود لراو باسم: بشر بن سعيد، يروي عنه مسلم أو أحد من أصحاب الكتب التسعة14. وهذا ما ذهل عنه أبو شهبة ولم يعمل على التحقق منه قبل الرد على أبي رية!.
قلت: ثم جاء أبو الزبير بعد أبي شهبة بعقد ونيف من الزمان، واعتمد كتاب أبي شهبة كأصل من ضمن أصوله، ونقل عنه بدوره نصه المعلول، دون ترو أو تحقيق فقال15:
وإذا كان ولا بد من بيان لروايات أبي هريرة في هذا الباب، فالآفة في الرواة الذين لا يضبطون ويخلطون الأسانيد، كما روى مسلم! بسنده! أن بشر!!! بن سعيد قال: (الخبر).
قلت: وبمثل هذه التراثية العبثية التي تتغذى على نفسها، والتي تراكم أخطاء من عندياتها، على أخطاء الأصول، فلنا أن ننتظر أن يطلع علينا بعد عقد آخر من الزمان أو بعد دهر، لو كتب لمثل هذه العبثية أن تستمر في التاريخ، عبقري! مشاكس آخر، لا يشق له غبار في الضحالة العلمية، وبما يشبه كوابيس الأحلام الرديئة، ليعيد نفض الغبار، وفي القرن السادس أو السابع عشر الهجريين، على أقوال النظام المعتزلي منتصف القرن الثالث الهجري، ما فعل أبو رية في 5 جمادى الأولى 1377 هـ/7 ديسمبر 1957 م، وتابعه فيه، الأقل حظوة من أية معرفة حديثية، الدكتور بوهندي ربيع سنة 1423 هـ/ 2002 م، بتراهات متعالمة من عنده لا تقل ضحالة ولا غثاثة ولا قلة حسم، ما فعل ابن قتيبة ضد النظام، ونقل عنه أبو شهبة في نقده لأبي رية، ونقل عنهما أبو زيد في نقده لبوهندي، دون مطمح أو بصيص أمل في إمكان رفع هذه الإشكالات أو الإتيان بجديد فيها، أو إمكان إقفال موضوعها برمته وإلى الأبد، يوماً ما!. وهذا بؤس، وتكلس، وتحجر فكري، كتب له ان يستمر لقرون كما يلاحظ القارئ!.
والرزية كل الرزية في هذه المسرحية العبثية السوريالية هي: أن لا أحد ضمن الفريقين، يمكن عده من أهل المعرفة والاختصاص فيما ندب نفسه لإثارته، أو للمنافحة ضده!. إذ القسمة منذ البداية كانت قسمة ضيزى، ما بين مشاغبين أميين، وهواة قاصرين. ولا شك ان السيد البوهندي أضاف إلى صلافة التحذلق هنا نكهة من السوريالية حين ختم الجزء الأول من مقالته بقوله: وأحب ان أذكر هنا أن الثورات العلمية لم ولن يقوم بها المحافطون على الأوضاع القائمة والمكرسون لها!،...
فهذا أفق الرجل ومبلغه من العلم، وهو يتمثل أن ينقل أنموذج طوماس كون الصلب في الفيزياء، إلى الدراسات الإسلامية الهشة كل الهشاشة بأمثاله، ما ظن طه حسين في غابر الأزمان مع إطلالة عشرينيات القرن العشرين، أن ينقل المتهج الديكارتي في الشك المنهجي ليطبقه، على الشعر الجاهلي!.
فمرحى! مرحى! بالفينق، المؤذن بموت العلم إذن، وليحي الجهل!.
الهامش
1 أنظر كتابنا: "كيف تمت هندسة فيروس اسمه أدونيس"، ط. أولى: 1419 هـ/1998 م، ص. 49 وما بعدها، مطبعة برودار، الرباط، المغرب.
2 وطه حسين هو صاحب كتاب: "الشعر الجاهلي"، الذي كان تلقنه من المستشرقين وخصوصاً "نولدكة" وذهب يصرخ فوق الأسطح بانه أتى بما لم تأت به الأوائل!، وبأنه يعتمد المنهج التحليلي الديكارتي في "الشعر"!!!!!. وهو ما لو كان قد علم به ديكارت لتضور في قبره عجباً!.
3 وقد كتب طه حسين تصديراً لهذا الكتاب من باب الإخوانجية الثقافية حسب المثل العربي السائر: البعرة تدل على البعير.
4 فمن مصادره: "حياة الحيوان" للدميري، و"شرح نهج البلاغة" لابن أبي الحديد المعتزلي، و"نهاية الأرب" للنويري، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه،....وما شابهها. وصنيعه هذا أشبه باحتجاح كميائي على رياضياتي بمراجع كيميائية صرفة لا يعرفها الرياضياتيون ولا يقيمون لها وزناً في حقلهم!..
5 أنظر كتابنا: "الانقلابات البولصية في الإسلام: المعهد العالمي للفكر الإسلامي نموذجاً"، ص. 60. ط. أولى: 1418 هـ/1998، مطبعة أكدال.
6 أنظر كتابنا: "العبدوية والتحضين الاستشراقي للفيروسات الثقافية: طه حسين نموذجاً"، لم يطبع بعد.
7 أنظر كتابنا: "كيف يرد الخطأ على المفتين الكبار رواية ودراية لعدم إلمامهم بالعلم: الشيخ ابن باز والشيخ العثيمين نموذجاً"، وهو مطبوع.
8أنظر كتابنا: "كيف يرد الخطأ على المحدين المعاصرين الكبار رواية ودراية لعدم إلمامهم بالعلم: الشيخ الألباني نموذجاً"، وهو مطبوع.
9 طبعته دار الجيل، البيروتية، طبعة أولى: 1411 هـ/1991 م.
10 نشرته دار الأرقم، الكويت, ط. ثالثة: 1406 هـ/1985 م.
11 أبو رية: "أضواء على السنة النبوية"، ص. 203.
12 أورده أبو رية في: "أضواء على السنة النبوية"، ص. 117، وعزاه في الهامش إلى الذهبي في: "سير أعلام النبلاء" (2: 436).
13 أبو شهبة: "دفاع عن السنة"، ص. 110.
14وهم: البخاري ومسلم في الصحيحين، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة في السنن، والإمام مالك في "الموطأ"، والإمام أحمد في: "المسند"،، والحافط الدارمي في "السنن".
15 أبو سلمان الزبير: "السهام الكاسرة لشبهات بوهندي الخاسرة"، ص. 70، ط. أولى: 1423 هـ/2002 م، مطبعة إليت، سلا، المغرب.