16
الخميس, تموز
0 مواد جديدة

خبر الكساء المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

السيرورة التاريخية

 ففي عصر الصحابة، أثر عن الخليفتين أبي بكر (في ميراث الجدة)، وعمر (في استئذان أبي موسى الأشعري)، أن طلب كل منهما بالإتيان بشاهد يعضد قول المدعيين. وأثر عن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، أنه كان يستحلف من يحدثة.

وعندما ظهر أصحاب الأهواء ما بعد الفتنة الكبرى، اكتفى الصحابة بما كانوا يعرفون، كما أثر عن عبد الله بن عباس (ت: 68 هـ).

وعندما استفحل أمر الكذابين والوضاعين في عصر التابعين، شرع أصحاب الحديث في طلب السند والقوائم، كما أثر عن محمد بن سيرين (ت: 110 هـ) وغيره.

ثم ظهر شعبة بن الحجاج (ت: 160 هـ) في العراق، ومالك بن انس في الحجاز (ت: 179 هـ)، وفتشا في أحوال الرجال وازدهرت معهما مباحث علم الجرح والتعديل.

وإلى عصر مالك، كان كل فقهاء الأمصار يحتجون بالمراسيل، ويغضون الطرف عن المدلسين، إلى أن جاء محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204 هـ) ومنع من الاحتجاج بالأول، وطلب من الثاني التصريح بالتحديث، حتى تقبل روايته، لمنع احتمال الانقطاع في الرواية.

ثم ظهر أئمة الجرح والتعديل المنهجيون: يحيى بن سعيد القطان البصري (120 هـ - 198 هـ)، ويحيى بن معين البغدادي (160 هـ - 233 هـ)، وعلي بن عبد الله بن نجيح: ابن المديني البصري (ت: 234 هـ).

ثم جاء بعدهم وارث علمهم جميعاً: محمد بن إسماعيل البخاري (ت: 256 هـ) واشترط المعاصرة وضرورة اللقاء بين الرواة للقبول بروايتهم، ولم يلتفت الحفاظ لاعتراض تلميذه مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت: 261 هـ)، في تلك المقدمة المسهبة من صحيحة، التي حاجج فيها ولاجج داعياً إلى الاكتفاء بالمعاصرة دون اشتراط اللقاء!. وظهر وكأن مسلماً رحمه الله، يسبح ضد تيار الصلابة فداسته وتجاوزته.

حقق شرط البخاري أعلى ذروة في الصلابة الحديثية إلى زمنه، لتحصل انتكاسة وردة بعده في هذا المجال، ظل الحقل يعاني من وطأتها إلى يوم الناس هذا مع مطالع القرن الخامس عشر الهجري/الواحد والعشرين الميلادي!

ظهرت أول بوادر الانتكاسة كما تقدم، مع تلميذ البخاري مسلم بن الحجاج الذي بدل أن يبني فوق صرح ما شيد شيخه ويزيد بنيانه صلابة، اختار أن يتراجع خطوة إلى الوراء، وذلك بالاكتفاء بجمع ما زهد فيه شيخه، المتوفر أكثره على المعاصرة دون اللقيا!

وهكذا تسنى لمسلم أن يجمع في كتابه باسم: "الصحيح"، ما يمكن ان يعد بعضه في عرف شيخه البخاري ضعيفاً!

ثم تتابع هذا النوع من التليين والتمييع والتفتير في شروط القبول بالأخبار، عند من جاءوا بعدهما، إلى أن انتهى الأمر بالمتأخرين أن فكوا غزل البخاري رحمه الله كله أنكاثاً!

وهكذا سيتم هدم صرح البخاري الصلب من قواعده، وذلك بإدخال ما اعتبره هو ساقطاً وواهياً، في باب ما أعتبروه هم: صحيحاً!، بمصطلحاتهم الخاصة بهم، والهشة كل الهشاشة، بينما هي إلى الضعف ما هي!.

هذا كان دأب ابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم النيسابوري في مستدركه،....إلخ1.

إلا أن النكسة، لم تصب فقط هذا الجانب المنهجي من مباحث علم "الحديث"، بل امتدت آثارها إلى متون الصحاح ذاتها: صحيحي البخاري ومسلم، التي لم تجد من يعتني بها، لافتقاد المؤسسات التي كان يجب أن تضطلع بمهام الحفاظ على هذين الأثرين من التلف. وهكذا وصلنا هذان الأثران بفوت، وصل إلى حوالي 300 خبر بين بعض نسخ البخاري، وبعض فصول من صحيح مسلم!.2

فنحن إذن، نتكلم عن منهج نقدي توقف عن الإنتاج والإبداع مع بداية منتصف القرن الثالث الهجري ولم يجد فيه جديد البتة، مع أن أساليب ومناهج النقد تقدمت بخطى واسعة، حتى أنها أخرجت الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية، بالضربة القاضية من الاعتبار الوثوقي أو التاريخي جملة، محققة لدعوى القرآن في ذلك، وفي غفلة مطلقة من كهوفيي التراثية الاجترارية المحسوبة على الإسلام!

ترى! إلى أي مدى يمكن الوثوق بالصحة المصطلحية للحديث، كما تمت في القرن الثالث الهجري؟

قال ابن الصلاح في تعريف "الحديث الصحيح"3:

"الحديث الصحيح" هو: الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه (يعني إلى الرسول () ولا يكون شاذاً، ولا معللاً.

ثم أضاف4:

وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسل، والمنقطع، والمعضل والشاذ، وما فيه علّة قادحة، وما في روايته نوع جرح. (...) فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث.

لاحظ أن مطابقة الأقدمين ما بين "الصحة العرفية" اللغوية وهذا "الاصطلاح"، إنما تأتت من اعتبارهم أن الرواة يعدون نقلة موثوقين، ويعملون فقط كوسطاء بين الراوي المرسِل (بكسر السين) لـ "الخبر" أو لـ "الرسالة" (بحسب لغتنا المعاصرة المستعارة من علوم الاتصال)، والمروي له أو"المستقبل"، وبأنهم لا يضيفون شيئاً من عندياتهم لفحوى الرسالة ولا ينقصون! وبالتالي، فهم يؤدون ما سمعوه على الوجه، صادقاً ومطابقاً كما هو!

لكن ابن الصلاح أضاف مباشرة بعد هذا التعريف، ما يتنافى تماماً وهذه الرؤية في سلامة النقل، وذلك حين قال5:

ومتى قالوا: "هذا "حديث صحيح!" فمعناه: أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة (في التعريف) وليس من شرطه أن يكون مقطوعاًً به في نفس الأمر! إذ منه ما ينفرد بروايته راو واحد وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول،

وكذلك إذا قالوا في حديث أنه: "غير صحيح"، فليس ذلك قطعاً بأنه كذب في نفس الأمر! ، إذ قد يكون صدقاً في نفس الأمر، وإنما المراد به أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور.

أي أن هذه الصحة الاعتبارية، كما وردت في المصطلح، ومع هذا الاحتراز الأخير، قاصرة تماماً عن تبليغ الرسالة على الوجه، في بعض الأحيان، لما قد يعتري النقلة من أعطاب الذاكرة.

وهذه الحقيقة، وإن اعترف بها ابن الصلاح، وسطرها للأجيال الاحقة، حتى أنه لم يوجد قط محدث، لم تقرع أسماعه، مادام الكل كان مطالباً بقراءة كتابه في المصطلح، إلا أنها لم تقض مضجع أحدهم كمفارقة، بحاجة إلى معالجة ملحة!.

وهكذا ظلت كلمات تحفظ وتجتر ولا يترتب عليها أي عمل!.

ولو أن وزارات البريد في كل أرجاء العالم تعاملوا مع رسائل الزبناء، بمثل هذا العطب في أسلاكهم، لما تبقى لهم زبون!

ولا شك، أن أيسر طريق للحؤول دون انتقال مثل هذه الأخطاء النابعة من الحملة، هي أن نشترط مطلب التعزيز في الأخبار، ما اشترطه أبو بكر وعمر.

لذلك أطلقنا نحن على هذا التعريف لمصطلح "الحديث الصحيح"، مسمى: "شرط الضرورة" فقط في اعتبار الصحة، واعتبرناه قاصراً عن مدلوله، لأنه لا يرفع الظنية عن مخرج الحديث.

"فشرط الضرورة" إذن، وهو معتمد البخاري ومسلم في صحيحيهما، قاصر في حد ذاته، في إفادة العلم القطعي بمخرج الحديث والجزم بأنه صدر فعلاً عن الرسول (، لاحتمال طروء الوهم، والخطأ، والنسيان، على بعض رواة الحديث ضمن هذا السند المتصل، بالرغم من وثاقة كل رواة السند!.

ومن هنا جاء الوهم والإيهام، وحصلت البلبلة!. ذلك، أن المسلم العادي عندما تقرع سمعه لفظة "صحيح" فلا يتبادر إلى ذهنه قطعاً سوى الصحة اللغوية العرفية، مع ما يرتبط بها من جزم خاطئ، بأن الرسول ( نطق فعلاً بالخبر، بينما المحدثون لا يعنون بذلك سوى اصطلاح:

أن الخبر ورد بتلك الأوصاف المذكورة في التعريف فحسب، دون أيّ قطع أو جزم بأن يكون الرسول ( تلفظ فعلاً بالخبر!

وقلت في غير ما مؤلف من مؤلفاتنا وأجدد القول هنا: بأن هذا تشويش على المصطلح، يجرده من الصلابة العلمية المطلوبة، التي تقول بأنه يجب أن تكون هناك دلالة إسقاطية أحادية (Relation univoque) بين دال ومدلوله لا تتعدى بحال مدلولها المقصود لتشير إلى مدلول آخر.

فما بالك ان يطلع علينا كل محدث من المتأخرين، ما بعد البخاري رحمه الله، بشرط خاص به، وعلى مقاسه في الصحة، مخالفاً تماماً لمصطلح الصحة لدى البخاري، كما تقرر في المصطلح الآنف الذكر، وعلى قصوره نفسه في الإيفاء بالمطلوب، مادام لم يسّد الثغرة التي فتحها ابن الصلاح في تعقيبه على الآنف الذكر!

وهو الخلف الذي توخينا نحن سد ثغرته وثلمته بمنهج موضوعي علمي صلب وصامد في كتابنا: "الهندسة الحديثية".

خصوصاً، وأن هذه النمطية من الأخطاء ملازمة للرواية الشفهية، لا يسلم منها ومن تبعاتها كبير شأن من الرواة، كما قرر ذلك الترمذي بقوله6:

وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة، مع حفظهم!.

ومادامت مثل هذه الأخطاء تعتري كل الرواة، بحيث تعتبر بنيوية في الرواية الشفهية باعتراف الجميع، فتوجب قطعاً الاحتراز من حصولها، حتى يستقيم لنا تعريفنا في "الصحة الضرورية، ليرتقي أيضأً إلى مستوى الصحة الكافية؟

ومادام شرط الضرورة في الحديث، لا يخرجه من الظنية والاحتمال، فالحديث المعتبر في الحجية والعلم يجب أن يتوفر فيه شرطان: شرط ضرورة وشرط كفاية.

فشرط الضرورة: أن يأتي مخرجه بحسب أوصاف المصطلح عند ابن الصلاح، وشرط الكفاية، هو: أن يأتي أيضاً معززاً، وهو ما يقضي على تسرب أخطاء وأوهام الرواة إلى الخبر.

أضف إلى هذا أن احتمال الخطأ، كما هو معلوم، يخضع لقانون الاحتمال التركيبي الطردي، أي:

أن احتمال تراكم الأخطاء يتناسب طرداً مع ارتفاع عدد الرواة في السند ما بين الراوي الأخير والرسول.

فكلما كان الحديث "عالياً" بحسب المصطلح، أي: يحتوي على عدد قليل من الرواة ما بين الراوي الأخير والرسول ( كلما كان أقل عرضة لاحتمالات طروء الأخطاء أو الأوهام التركيبية والتراكمية.

وعلى عكس هذا، فكلما كان السند "نازلاً"، أي: كثير عدد رواته، كلما ازدادت احتمالات الخطأ والوهم فيه.

ومن أجل رأب مثل هذا الصدع في الاصطلاح، فقد اشترطنا التعزيز في كل الرواة بشهادة عدلين في كل الطبقات.

وبهذا نكون قد تلافينا ذلك الاحتمال في حصول الأخطاء البنيوية، حيث أن احتمال اتفاق شاهدين عدلين مستقلين في ارتكاب نفس الخطأ في حديث بعينه، يعد بعيد الاحتمال جداً.

figure1ولم نكتف بهذا، بل قمنا بتحليل هذا النوع من الأخطاء إحصائياً في كتابنا: "الهندسة الحديثية"، وبنينا أنموذجاً رياضياتياً اتخذناه كمعيار لمقايسة كل الأخبار، كما في الشكل المقابل المأخوذ من كتابنا الآنف الذكر. (اضغط على الشكل بالجانب  لتكبير الصورة)

ونتيجة لتبنينا لهذا الأنموذج الصلب، فلم نعد بحاجة إلى المفاضلة بين راويين معينين على صعيد حفظهما وإتقانهما فحسب، بل بضرورة وجود الراوي المعاضد الشاهد لروايتهما، دون أي اعتبار لشئ آخر.

ذلك، أنه لا يمنع، بحسب ما قرره ابن الصلاح في ملاحظته أعلاه، أن يخطئ الحافظ المتقن في خبر ما، بينما يصيب فيه من يكثر عادة خطأه!.

وهذا الاحتمال، وإن كان نادراً وقليل الحدوث، إلا أنه احتمال يجب الاحتراز منه على أي حال في أية منهجية صلبة. وهو ما يحققه المعيار تلقائياً، بسبب بنيته.

وهكذا انتفت ضرورة اللجوء إلى أيّ من القواعد الذاتانية المتشاكسة الثلاث: (أ)، و(ب)، و(ج) في تقديم الجرج على التعديل أو العكس، مفسراً كان أو غير مفسر!، ضمن الفصل الأول (أ) من ملاحظتكم الأولى، التي حيرتكم! figure3

وبما أن الأنموذج المعيار رياضياتي، فقد حققنا الصلابة المطلوبة إحصائياً، لتتدرج وثوقية أي خبر ما بين وثوقية مطلقة معيارية باحتمالية تصل إلى 1، أو 100 % إلى الرسول ( ، إذا ما حصل التعزيز في كل الطبقات، وفي كل الرواة، أو تنزل إلى ما دون ذلك إلى 0، في الأخبار الضعيفة، ضمن سلم مكون من ثمان درجات.

واللوحان إلى اليسار يمثلان الدرجة الأولى من السلم: بحديث غريب فرد في كل الطبقات، الذي لا تتعدى درجة وثوقيته إلى الصحابي المعني حاجز: 12.50 %، وبالتالي 6.25 % فقط إلى الرسول (، figure10بينما الشكل الثاني يمثل الدرجة الثامنة من المعيار بوثوقية إلى الصحابي تصل إلى 100 %، أو 50 % إلى الرسول (.

وقد شرحنا الأسس الرياضياتية لمثل هذا الاختيار، وكيفية هندسة المعيار بتفصيل في "الهندسة الحديثية"، مما لا يتسع المجال لتفصيله هنا.

أي سيناريو؟

ومما تقدم، يتضح لكم بجلاء أن السيناريو الثاني هو المتحقق في المتحاورين، لأنهما بكل تأكيد، ليسا في العير ولا في النفير من هذا المنهج، ولا أن منطلقاتهم الوراثية، أو ملكاتهم العلمية تسعفهم في التعامل مع حقل علمي موضوعي بهذه الدرجة من التعقيد في الروائز والإجرائيات التحققية!

وهدفنا المعلن، هو تحيين الحقل، ليساير المستجدات النقدية المعاصرة، وذلك بإعادة النظر في بعض مكوناته الهشة التي لم تعد بذات غنية في مجالها، أو لم تعد كفوءة ولا ناجعة في معالجة القضايا التي صممت لتعالجها بالأساس، أو التي تجاوزها العصر، وذلك بإضفاء الصلابة العلمية والإجرائية على روائزه، بقصد تخليص ساحته من هذا النوع من البهاليل، الذين ارتموا عليه في غفلة من العلماء، بعد أن انقلب الحقل إلى تقليد واجترار بئيس!.

وهذا ما يجيب على بعض إرهاصاتكم بخصوص الصلابة المنهجية في الفصل (ت) من سؤالكم.

الهامش:

1 أنظر تفصيل هذه الأشياء في كتابنا: "الهندسة الحديثية".

2 أنظر: "الهندسة الحديثية"

3 "مقدمة ابن الصلاح"، ص. 7 - 8.

4 نفس المرجع، ص. 8.

5 "مقدمة ابن الصلاح" ص. 8.

6 سنن الترمذي، كتاب: "العلل" (5: 747-748)، طبعة استنبول، 1401 هـ/1981 م، بعناية فؤاد عبد الباقي.

تسجيل العضوية بالموقع ضروري لإضافة أي تعليق