هل تمددت الأرض بعد نزول آدم إليها؟
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

”طاليس الملطي“ (624 – 574 ق.م).

طاليس الملطيإن أول الفلاسفة الإغريق الذين وصلتنا شذرات عن حياتهم التي تمتزج فيها الأسطورة مع الوقائع التاريخية هو "طاليس" الملطي (Thales of Miletus). ويختلف المؤرخون في أصوله، فبعضهم ينسبه إلى أصول إغريقية والبعض الآخر إلى أصول فينيقية أي: عروبية، ورأي الأكثرية على الرأي الأول.

وأيا كانت حقيقته، فهو يُعد، ليس فحسب، الفيلسوفَ اليونانيَ الأولَ، بل وأول الفلاسفة المنتمين إلى المدرسة الملطيةَ {نسبة إلى مديننة ملطية على الساحل الغربي لتركيا الحالية}.

وهو مهندس ورياضياتي ويعد من الفيزيائيين والفيزيولوجيين الذين حاولوا فهم الكون من خلال معاينة الأشياء الطبيعية. ولعل في هذه الرؤية ملمح لا تخطئه العين من تأثره بالجانب العملي للمعرفة كما جرت بها الأعراف لدى المصريين والرافديين سواء الذين اهتموا بالتجربة النافعة، ولم يولوا كثير اهتمام للتخرص التنظيري، على ما سيعاد فلاسفة الإغريق الناشئين، بعد أن وجدوا أمامامهم تراثاً شامخاً من الملاحظات العلمية والرصدية التي جمعها كل من المصريين والرافديين.

الماء أصل كل شيء

وقد لفت انتباهه كون العالم الذي نراه بحواسنا متغير وأن لا شيء فيه له من الديمومة والثبات ما يحول بينه وبين الفناء في آخر المطاف.

فالمادة تتحول وتفنى والعناصر كذلك. ومادام كل شيء إلى فناء، فقد طرح على نفسه سؤالاً جوهرياً ثم حاول الإجابة عليه وهو:

ما هو العنصر الأول ؟ أي العنصر الذي تتولد عنه بالتحول باقي العناصر الأخرى.

وبما أن البخر والاحتراق وكذا تفجر الماء من الأرض أو نزوله من السماء تعتبر مشاهدات لمظاهر مألوفة في التجربة اليومية للإنسان، فقد رأى في الماء ذلك العنصر الأول الذي ينشده.

وقد بنى طاليس اختياره هذا على مشاهداته وتأملاته وليس على أي شيء قبلي خارج عنهما.

فقد رأى أن الرطوبة مخصبة، وهي ضرورية لإنتاج النبات، ثم هي أصل الحياة، بل إن كل شيء في نظره يبدأ من هنا وليس الحياة فقط. فتجمد الماء يفضي إلى تكون الأجسام الصلبة، والتبخر يحول الماء إلى هواء، والهواء يتحول بدوره إلى نار. فهذه دورة تجمع العناصر الأربعة التي عرفها الفكر ما قبل - العلمي الإغريقي آنذاك {الماء، والهواء، والنار، والتربة}.

ومن هنا، فالماء بصفته مبدأ أولياً عنده فهو يمثل أيضاً أصل الكون ودعامته.

شكل الكون الطاليسي

شكل الكون حسب طاليس
شكل الكون حسب طاليس
يقول الفيلسوف اليوناني "بروكلوس" (Proclus) { كان حياً في حدود 450 ق.م وهو من أواخر الفلاسفة الذين كانوا على رأس الأكاديمية في أثينا قبل أن يغلقها الإمبراطور المسيحي: "جوستينيان" سنة 539 م، وينتقل الفلاسفة الإغريق اللاحقون إلى فارس } بأن:

طاليس ذَهبَ أولاً إلى مصر ومنها أخذ الهندسة التي ادخلها إلى اليونان وأنه اكتشفَ العديد مِنْ المسا\ل بنفسه، ودرب تلامذته على طرق الاستنباط العامة، وتتميز طريقته في مُعالجة المسائل بالتعميم في بَعْض الحالاتِ وإن كَانتْ تتسم بطابع الملاحظةِ البسيطةِ في الحالاتِ الأخرى.

وينقل الفيلسوف اليوناني ديوجانس اللايرتي ( Diogenes Laertius ) {منتصف القرن الثالث الميلادي} في كتابه: "سير مشاهير الفلاسفة ومذاهبهم وأقوالهم" عن بامفيل (Pamphile ) بأن:ّ

طاليس، الذي تَعلّمَ الهندسةً مِنْ المصريين، كَانَ أول من وصف رسم مثلث قائم الزاويةَ بداخل دائرة، وبأنّه ضَحّى بثورِ (بسبب هذا الاكتشاف). ويقول آخرون، ومن ضمنهم أبولودوروس ( Apollodorus) الحاسب، بأنه كَانَ فيثاغورس.

أناكسيماندر
أناكسيماندر
وفي تصور طاليس للكون، فهو ينقل النموذج البابلي بالحرف ليقول:

إن الماء اللامحدود يحيط بالعالم من كل الجهات، والأرض هي أشبه بقرص مفلطح يطفو فوق الماء، والسماء قبة والنجوم عبارة عن تنورات نارية منغرزة فيها، ونار الشمس والكواكب، والعالم بأكمله يعيش على تبخر الماء.

قلت (عمراني): فلم ينقل طاليس إلى اليونان هندسة المصريين فحسب، بل نقل أيضاً وبالحرف تصور البابليين للكون. وقد أرجع طاليس حدوث الزلازل إلى تحرك القرص الأرضي.

وزيادة على اشتغاله بالتنظير التخرصي، الذي سيشيع في الإغريق بعده، فطاليس كان مهندساً لا يشق له غبار، وعالماً رياضياتياً.

ويُعتقد بأن الفيلسوف أناكسيماندرAnaximander ) ) (611 ق.م – 545 ق.م) (الصورة) درس عليه.